أخبارتقارير

بالنسبة للكرد في سوريا، الحرب الحقيقية بدأت للتو


الكاتب: كينث. ر. روسن، عن الإنكليزية: سوز حج يونس

نُشر في مجلة الـ نيوزويك، بتاريخ 5\4\2019

كان الوقت هو بداية شهر شباط، وكان الشارع الرئيسي في هجين مزدحما بالحواجز الإسمنتية، وكانت المباني متداعية، والأطفال يلعبون بين الركام، محاطين بالقذائف غير المتفجّرة التي تظهر لهم من تحت الأرض كأزهار الإقحوان.

البلدة الصغيرة في وادي الفرات جنوب شرق سوريا كانت نقطة التمركز الأمامية للقوات الكردية، ولا تزال إلى الآن أرضا للمعركة مع تلفّظ تنظيم الدولة لأنفاسه الأخيرة، ومع وجود العتاد الأمريكي والفرنسي وكذلك مع وجود الإسناد الجوي.

وقد تمكنت القوات التي يقودها الكرد من ضرب تنظيم الدولة هنا مرارا وتكرارا، لتقلّص بذلك من دولة الخلافة التي أعلنها المتشدّدون إلى قطعة صغيرة من الأرض، ثم إلى لا شيء.

ومع عودة المدنيين الكرد إلى مناطقهم هناك إحساس عميق بأن لا نصر أكيد هنا، وأنّ السلام بعيد المنال، فتنظيم داعش لم يُهزم نهائيا وإنما تحوّل من جيش احتلال إلى تمرّد لا هوية له، يتجه لاستخدام الهجمات الانتحارية، وتفخيخ الطرقات ووضع حواجز طيارة لتصيّد المدنيين الآمنين.

وإنّ ما يُقلِق الكرد أكثر هو وجود تطور آخر فيما يخصّ الخروج الأمريكي من سوريا، فمع إعلان هزيمة داعش كان الرئيس الأمريكي ترامب قد أعلن في كانون الأول خططا لسحب القوات الأمريكية التي تبلغ (2000) والتي قامت طيلة السنوات الأربعة الماضية بتدريب وتسليح ودعم قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الكرد، هذه الشراكة التي لم تُساهم في تحقيق النصر العسكري فحسب، وإنما ساهمت أيضا في حصول الكرد (الأقلية المهمّشة تاريخيا) على نفوذ سياسيّ لا مثيل له، إذ تسيطر قوات سوريا الديمقراطية على نحو ربع مساحة الأراضي السورية، وسط الحرب الأهلية السورية الدامية، ومع إشرافها على الموارد الزراعية في تلك الأراضي وكذلك على مصادر الطاقة فيها.

أمل القادة الكرد بأن تؤدي هذه التطورات وكذلك وجود الحليف الأمريكي إلى حصولهم على شكل من أشكال الحكم الذاتي إن لم يكن حكما ذاتيا كاملا، ولكن ومع الانسحاب الأمريكي من سوريا فإنّ هذه الأحلام سرعان ما تتلاشى.

يواجه الكرد في سوريا مخاطر استثنائية من جميع الأطراف، فتركيا ترى الكرد وقوات (قسد) ومن ضمنها وحدات حماية الشعب الكردي (YPG) على أنها مجموعات إرهابية وهي التي شنت في الساfق هجوما على عفرين لمنع وجود نفوذ للكرد على حدودها في شمال غرب سوريا، وكما أنّ الرئيس السوري كان قد أعلن صراحة نيته في تقليص مناطق سيطرة القوات الكردية وإعادة تلك الأراضي إلى سيطرته، تلك الأراضي التي استعادها الكرد من تنظيم داعش مدينة مدينة.

وبالنسبة لكلّ الأطراف فإنّ الوجود الأمريكي يشكل رادعا لحصول ذلك، والكرد في سوريا يرون المعادلة بسيطة، إما أنّ تبقى القوات الأمريكية في سوريا وتؤمّن استقرار هذه المنطقة، وإما أن تنسحب وتضع الكرد في مواجهة جيرانها “ليس هناك خيار ثالث” يقول سائقي أسامة الذي طلب مني عدم ذكر كنيته “الحرب في سوريا أشبه بالحرب العالمية الثالثة”.

هذا الارتباك السياسي ليس جديدا بالنسبة للكرد وقد حصل في السابق.

إنّ الوجود الأمريكي في سوريا دائما ما كان ضبابيا، فالجنود الأمريكيون هناك لا يرتدون شارات يمكن أن ترمز إلى مؤسّستهم العسكرية التي ينتمون إليها (والقادة العسكريون الأمريكيون دائما ما يرفضون إجراء المقابلات) وكما أنّ الوجود العسكري الأمريكي لم يحصل على تفويض من الأمم المتحدة كما أن الكونغرس لم يعط تفويضا بالاحتلال، ومع كلّ هذا فإنّ الولايات المتحدة بنت قواعد لها في الشمال الكردي.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة بقاء القوات يمكن أن يكون سيئا بقدر انسحابها، فالأمر لا يتعلق فقط بحياة هذه القوات وإنما الأمر يعني دفع البلايين من الدولارات على نزاع غير معروف النهاية، كما أنّه يزيد من خطورة تأزم الوضع هناك كما حصل في أفغانستان، وهذا ما دفع بالرئيس الأمريكي لإعلان خطط الانسحاب الفوري من سوريا في كانون الأول الماضي، الأمر الذي صدم الكرد وصدم الإدارة الأمريكية نفسها متمثلة بوزير الدفاع الذي قدم استقالته.

في شباط عاد ليقدّم حلا وسطا (قوة لحفظ السلام مكوّنة من 400 من هذه القوات نصفها لمواجهة النفوذ الإيراني الذي يساند الأسد والنصف الآخر لدعم الكرد في منطقة آمنة على الحدود التركية السورية).

ويرى بعض الخبراء أنّ الوجود الأمريكي هو الحلّ لكلّ من القوات الكردية المدعومة من التحالف والتي وصل تعدادها إلى 60000 مع تقديم التمويل الأمريكي، وكذلك من أجل دعم الاستراتيجية الأمريكية المتعلّقة بمواجهة الإرهاب.

“إذا ما قرّرت الولايات المتحدة أن تخرج غدا، فإنّ قوات سوريا الديمقراطية سوف تنهار” يقول ماكس ماركوسن المدير المساعد لمشروع التهديدات الخارجية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن “تركيا ستقوم بالغزو وهذا أول شيء يمكن أن يحصل”.

كما أنّ هناك التهديد القادم من هيئة تحرير الشام التابعة للقاعدة والتي باتت تسيطر على نحو 5% من الأراضي في شمال غرب سوريا، مواجها للأراضي التي يسيطر عليها الكرد، وهذه البؤر يمكن أن تكون مشابهة لتلك التي كانت في أفغانستان.

حيث أوجزت جنيفر كافاريلا مديرة الأبحاث والمحللة حول سوريا في معهد دراسة الحرب المخاطر “تجربة الحرب السورية ستكون على نفس الشاكلة التي ساهمت في ظهور القاعدة والجهاد الأفغاني”.

“سوريا هي أفغانستان التالية”

وإلى الآن يبدو أنّ الكرد يبحثون جميع الخيارات، حيث توجّه ممثلون كرد إلى الأسد على أمل تشكيل تحالف والحصول على شكل من أشكال الإدارة الذاتية، وكما أنّهم يتطلعون إلى واشنطن أيضا التي أعطت إشارات متضاربة خلال الأسابيع الماضية.

في آواخر شهر آذار ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أنّ القادة العسكريين الأمريكيين يقومون بصياغة خطط للاحتفاظ بنحو 1000 جندي في سوريا، وذلك بعد مباحثات مطولة وخلاف بين الزعماء الأمريكيين والأوروبيين والأتراك والكرد حول شكل (المنطقة الآمنة) السورية، إلا أنّه وبعد ساعات من نشر التقرير عاد الجنرال جوزيف دانفورد رئيس هيئة الأركان المشتركة ليصرّح بأنّ “التقرير غير دقيق في الواقع” وقال في بيانه “نحن ماضون في تنفيذ توجّه الرئيس بتخفيض عدد القوات الأمريكية”.

بالنسبة للناس هنا هناك مشاعر متضاربة تجاه الولايات المتحدة، عبدالله سليم 30 عاما مزارع من بلدة هجين يعبّر عن ثقته بقدرة القوات الكردية على حمايته بغض النظر عن الدعم الأمريكي.

ويقول وارشين شيكو 27 عاما من مدينة منبج والذي عاد إليها بعد أن كان هرب إلى تركيا لمدة أربعة أعوام ثم عاد إليها في شباط الفائت “يخبرني أبناء عمي بأننا سنرى مايحدث، الوضع جيد الآن حيث يوجد الأمريكيون وأنّ المنطقة مستقرة والناس لديهم وظائف جيدة ويعملون”.

و يؤكد خميس محمد وهو صاحب متجر يبلغ 42 عاما من منبج أنّه يتعيّن على أمريكا أن تبقى لحماية الكرد “طالما أنّ أمريكا هنا فإنّ تركيا لا تستطيع أن تفعل شيئا”.

ولكن داعش يمكن لها أن تفعل، حيث حذّر القادة العسكريون الأمريكيون من أنّ المجموعة تغيّر شكلها بعد أن فقدت آخر رقعة تسيطر عليها، يقول الجنرال جوزيف فوتيل قائد القيادة المركزية الأمريكية “مانراه الآن ليس استسلاما لداعش  كتنظيم، بل هو في الحقيقة قرار محسوب من قبلهم للحفاظ على سلامة أُسرهم والحفاظ على قدراتهم، حيث لا يزال سكان داعش الذين يتم إخلاؤهم من مناطق بقايا الخلافة غير مذعنين وغير منكسرين وكذلك لا يزالون متطرفين راديكاليين”.

قبل أيام قليلة من زيارتي إلى سوريا قتل أربعة أمريكيين في هجوم انتحاري خارج مطعم في منبج يتردّد عليه الغربيون، وفي غضون أسبوع تم تنظيف المطعم وفتحه للعمل مجدّدا، شاهد أبو عمر 30 عاما المشهد من واجهة متجره القريب ويقول: “لقد كان انفجار القنبلة عملا إرهابيا وألحق الضرر بالمدنيين أكثر مما أضرّ بالأمريكيين الموجودين هناك، للدفاع عنا والقتال من أجلنا، نريد أن نتمتع بحياة كريمة حيث يمكن للبشر أن يعيشوا بكرامة ونريد أن نحيا حياة هادئة لا يقتل فيها أي مفجرين انتحاريين أطفالنا”.  

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق