الشريط الإخباريتقارير

‎يكيتي… إلى أين؟

ولاتي نيوز – هلبست جاجان

‎تعاني الحركة السياسية الكردية في سوريا منذ تأسيسها من عقدة رئيسية تتمثّل في الانشقاقات والاتحادات غير مهيأة الأرضية، وقد يكون هذا الأمر نتيجة لضعف هذه الحركة من عدة جوانب، أهمّها الجانب السياسيّ، وقد يكون التخبّط السياسيّ بدوره ناتجا عن الانشغال الدائم بدواخل هذه الأحزاب، أكثر من الاهتمام والانشغال برسم السياسة العامة للحزب، وإيجاد الوسائل والأدوات النضالية لتحقيق أهدافها.

‎”يكيتي” اختصارا لم يشذّ عن هذه القاعدة رغم ثقله في الشارع الكردي، ورغم الكثير من النضالات التي قدّمها ورغم وجود شخصيات لها وزنها السياسي فيه، ورغم بعض الآليات التنظيمية التي اعتمدها والتي كانت سابقة في عملية تأهيل الأطر الحزبية نحو الديمقراطية في التعامل، والحيادية في الاعتبار السياسي والاستحقاق الانتخابي.

‎وبالرغم من كلّ هذا فإنّ يكيتي يظلّ ذلك الحزب الكردي الذي يعيش في أجواء سياسية مفعمة برائحة الانشقاقات والانكسارات والرغبات الشخصية، وأفكار عدم تقبل الآخر وعدم نكران الذات في سبيل القضية التي بدورها أصبحت للبعض مجرّد وسيلة لغاياتهم الخاصّة.

‎والمعضلة الموجودة بداخل يكيتي قد تتجاوز حدود ما هو موجود في غالبية الأحزاب الكردية الموجودة، فهذا الحزب يعاني من تخبّط في الرؤية السياسيّة أصبح قابلا لأن يتحوّل إلى تخبط تنظيمي، وهي سابقة تُحسب ليكيتي، لأنّ أحد أسباب الانشقاق المحتمل فيه، سيكون الاختلاف في الرؤى السياسيّة على عكس معظم الانشقاقات الحزبية التي تحدث نتيجة لمصالح شخصية.

ولكن ما الذي جعل يكيتي يعاني من هذا التخبط؟!

‎بداية يمكننا القول بأنّ اللاوعي السياسي وعدم القدرة على قراءة المشهد السياسي، ورسم سياسة تتلائم معه وتحافظ على الهيكلية الحزبية، هي الداء الأول وتأتي جذور هذا الداء من اختلاف مشارب المنتمين ليكيتي، فالصراع الموجود بين الأحزاب المنضوية تحت هذا المسمى مازال يلعب دوره، فما زال حزب الشغيلة وحزب الاتحاد الشعبي يعانون من عدم الاندماج في روح واحدة تسمّى بيكيتي، وهذا هو بالذات ما تعانيه أحزاب أخرى على رأسها الديمقراطي الكردستاني – سوريا غير المندمج فعليا، والسبب دائما هو عدم وجود أرضية مشتركة تجمع الأعضاء من تلك الأحزاب المتحدة، وعدم وجود الوعي الكافي لتقبّل الاندماج الكامل وعدم الرغبة في القيادة المشكّلة في إنهاء الفاصل بين هذه الأحزاب المتحدة، لغايات انتخابية لاحقة، فكلّ قيادي يحمل في جعبته لوعة الحنين لحزبه القديم، التي يوزعها على أعضائه في الجلسات الخاصّة حفاظا على ذلك الانشقاق الضمني، الذي يتحوّل غالبا في المؤتمرات إلى انشقاقات ظاهرية.

‎الأمر الآخر الذي يحيل يكيتي إلى الانشقاق هو الاختلاف في الرؤية حول الانتماء في الولاء لـ سليمانية أم هولير، فهذا الحزب الذي أراد لسنوات أن يقول بأنّه يستمد قوته من داخل كردستان سوريا لم ينجح في تحقيق هذه المقولة على أرض الواقع، مما اضطره وبفعل قوة بعض الأحزاب الموجودة حوله ورغبته في أن يكون بحجم قوتهم، وكذلك الضغوطات التي تلعبها سليمانية وهولير بين الحين والآخر لاستمالة هذه الأحزاب طمعا بمصالح هم أدرى بها، وهنا تكون الضحية دائما الأحزاب التي تحاول أن تلتزم بروح الاستقلالية المستحيلة في ظروف كهذه، مع عدم وجود مقدرات تمتّن القاعدة التي تقوم عليها هذه الأحزاب فالإمكانيات المادية واللوجستية من جهة وميل الشارع نحو الاحتماء بهذا أو ذاك من جهة أخرى، تجعل قيادات هذه الأحزاب بين فكّي كماشة، تلجأ لأجل التخلّص منها للمحاور الكردستانية وأحيانا للمحاور الإقليمية، ولهذا فالصراع بين محوري سليمانية وهولير في يكيتي يظهر هذا الخلاف للسطح بأشكال أخرى وبحجج واهية أحيانا كثيرة.

‎ولن تخفى على أي ناظر بحيادية لمشهد الحراك السياسي في يكيتي وجود طرفين في الحزب، أحدهما شديد وصلب في مواقفه، ولا يرى سوى ما هو وردي من كردستان حرة موحدة، وطرف يميل نحو ممارسة السياسة بفنونها، فتارة يميل هنا وتارة يميل هناك، وتارة يقسو وتارة يلين، وكلّ ذلك بحسب الموقف السياسي والوقائع الموجودة على الأرض، وبالنهاية بحسب ما هو مدرك سياسيّا كفعل تفاعلي مع الحدث السياسي، وهنا تحدث العقدة بين من يجهل اللعبة السياسية ويعمل وفق معايير الضمير والواجب الأخلاقي والكردايتي وروح المقاومة، ويعيش في ذلك الكوخ المظلم الذي مارس فيه السياسة في شبابه، وبين ذلك الذي يدرك حجم المعاناة في الواقع المزري وضرورة الانخراط في الخارطة العامّة للحراك السياسي، بعد كلّ التغيرات الحاصلة في العالم، وفي الشرق الأوسط وفي سوريا وخاصة في المنطقة الكردية، وهنا تكمن الطامة الكبرى في استمالة القاعدة والجمهور نحو هذا أو ذاك، فالقاعدة حكما مقسمة في كلّ الأحزاب وبلا استثناء، وما يجعل هذا الانقسام جليا مجرد حالة الانكشاف على موقف فيه من الخلاف ما يظهر براغماتية البعض وطوباويته وحداثة البعض الآخر ونظرته المستقبلية القائمة على رؤية الواقع قبلا.

‎وهنا يمكننا طرح سؤال آخر، وهو هل أنتج يكيتي فعلا سياسيا خارج إطاره التنظيمي؟

‎الإجابة هي أنّ مجمل ما يتفاخر به هذا الحزب، هو حراك تنظيمي داخلي يستقيم حينا ويتخبط أحيانا، والحصيلة في جانب الهدف السياسي لا شيء، وهذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير، فكل ما يقوم به يكيتي فعل بلا نتيجة وعدم التوصل إلى نتائج ملموسة في أحزاب تعتبر نفسها رائدة، يجعل من قاعدتها تتذمّر وتطالب بالتغيير، وتطالب بكشف حساب عن كلّ هذه الممارسة الحزبية، فما الحزب إلا أداة للوصول إلى نتائج ملموسة، ولكن ما يظهر وخاصة في السنوات الأخيرة من عمر يكيتي وبعد انتهاء نشوة “المظاهرة الأولى” و “الملصقات” ليس سوى مجرد انعطافات تنظيمية وإرهاصات داخلية كانت عملية قيصرية داخلية طويلة الأمد لتفادي الانشقاق الذي تبدّت بوادره منذ مدة ليست بالقصيرة.

‎إذا فالحركة السياسية الكردية لم تنضج بعد تنظيميا وسياسيا، لعدم القدرة على توعية “الشخص الحزبي” أولا، بما يعنيه الحزب ولعدم توعيته بمداخل ومخارج السياسة والواقع السياسي المعاش، وآليات التعامل معه، ولعدم قدرة هذه القيادات على القراءة السليمة للوقائع، وعدم القدرة على ممارسة فعل القرار لاعتبارات داخلية غالبا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى