الشريط الإخباريتقارير

نيويورك تايمز: أمريكا غير ملتزمة بصياغة المستقبل السياسي في المنطقة

الكاتب بين هوبارد، نييورك تايمز 29 نيسان 2019

عن الإنكليزية سوز حج يونس

منبج – سوريا، مدن وبلدات شرق سوريا تحت الأنقاض، وأما القوات التي كانت تحارب تنظيم الدولة فتحفر اليوم خنادق استعدادا لأيّ معركة محتملة ضد تركيا. تفجير جديد ضرب مدينة الرقة وقتل 9 أشخاص، وهزيمة داعش في آخر معاقله في آذار الماضي، اعتبر هذا حدثا هاما في المعركة ضد أكثر التنظيمات إرهابا في العالم، بينما بقيت المنطقة التي كان يسيطر عليها التنظيم في فوضى وخراب وعدم أمان وبقي مستقبلها غامضا، دمرت مجتمعات بأكملها وهناك مساعدات صغيرة قدمت لإعادة الإعمار، مجموعة من القوى مثل النظام السوري – روسيا – تركيا والمليشيات المدعومة من إيران ترغب في ملئ الفراغ الذي أحدثه هزيمة الجهاديين.

وتنظيم الدولة لم ينتهي بشكل كامل، والتفجيرات التي قتلت 250 شخصا في سيريلانكا في الأسبوع الماضي تثبت أنّ أيديولوجية التنظيم لا تزال تؤثر عالميا. في سوريا اختفى آلاف من عناصر التنظيم بسرّية ليشنّوا هجمات أخرى ويخططوا لعودة التنظيم مجددا.

يقول ريدور خليل وهو مسؤول كبير في قوات سوريا الديمقراطية (التي يقودها الكرد وتدعمها أمريكا لمحاربة الجهاديين) “نحن نتحدث عن منظمة سرية لا تزال تشن عمليات، هذه المنظمة تملك شبكة ووسائل اتصال وقيادة مركزية).

وأظهر التنظيم يوم الإثنين فيديو يُظهر زعيمه أبو بكر البغدادي الذي أكد زعامته للتنظيم مجددا.

وتعاني الإدارة الكردية من صعوبات في حكم المنطقة التي تشمل حوالي ثلث سوريا شرق نهر الفرات، ولكن الولايات المتحدة التي قادت التحالف العسكري لمحاربة تنظيم الدولة لم تعترف بهذه الإدارة المحلية ولم تساعد في إعادة الإعمار.

لا تزال الولايات المتحدة هي الحامي الفعلي للمنطقة حيث يفترض أن قواتها البالغ عددها 2000 جندي هي الرادع الوحيد الذي يمنع التوغلات من قبل القوات الروسية والتركية والسورية، ولكن خطة الرئيس ترامب لسحب هذه القوات كاملا ثم حاليا هناك خطة لخفض عدد هذه القوات إلى النصف ثم رؤية كيف تسير الأمور والغموض في الموقف الأمريكي أزعج حلفاء أمريكا في المنطقة، يقول ريدور خليل “ليس هناك وضوح، هذه هي المشكلة مع الأمريكان”.

بعد خمس سنوات من الحرب لم يعد تنظيم الدولة يسيطر على مساحة الأرض التي كانت تساوي مساحة بريطانيا، لكن الآلاف من عناصرها لا يزالون يشنون هجمات في المنطقة ويضربون وقت يستطيعون.

خلال هذه الأشهر قتل قائد عسكري محلي في إحدى القرى الحدودية بتفجير سيارته، كما تم قتل زعيم أحد العشائر في الرقة بإطلاق الرصاص عليه في الشارع، كما قام مسلح بإطلاق الرصاص وقتل سبعة حراس على أحد الحواجز بينما كانوا نياما.

شرفان درويش العضو في مجلس منبج العسكري والذي يسيطر حاليا على البلدة يفترض أن تنظيم الدولة وراء أغلب الهجمات التي استهدفت البلدة، ومن ضمنها الهجوم الذي استهدف سيارته، ولكن هناك ما يكفي من الأعداء كالنظام السوري والميليشيات المعارضة الأخرى الأمر الذي يجعله غير متأكد، يقول شرفان درويش “الكل يريد تقويض الأمن في هذه المدينة، لكننا لا نعرف من يفعل هذا بالتحديد”.

تقول الولايات المتحدة بأنها ملتزمة بالهزيمة الكاملة للتنظيم الدولة، غير أنّها لم تفعل سوى القليل فيما يخصّ تشكيل المستقبل السياسي للمنطقة التي كان الجهاديون يسيطرون عليها سابقا، وحاليا تقوم المجالس المحلية بإدارة المنطقة وتقديم الخدمات الأساسية للمنطقة.

الولايات المتحدة قدمت الدعم لكنها لم تعترف رسميا بهده المجالس، بحجة أنّ أهدافها هو العمل من أجل حل سياسي للصراع وطرد إيران من المنطقة.

وليس اقامة حكم محلي، يقول حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، إن هذا الأمر تركهم في مأزق سياسي، يوجد الآن أكثر من ٧٠٠٠٠ امرأة وطفل كانوا يعيشون في سلطة تنظيم الدولة، وهم الآن موزعون على ثلاث مخيمات في شمال سوريا، حوالي ١٠٠٠٠ منهم من الأجانب الذين ترفض دولهم استعادتهم، مما يضع عبئا طويل الأمد على كاهل الإدارة المحلية، كما يوجد في سجونها نحو ٨٠٠٠ رجل متهمين بكونهم عناصر من بينهم ١٠٠٠ أجنبي، وهذا الأمر يثير مخاوف بأن تساعد قضبان هذه السجون تنظيم الدولة على إعادة بناء أنفسهم.

وقال عبدالكريم عمر وهو المسؤول المحلي الذي حاول دون جدوى إقناع الحكومات بإعادة مواطنيها “هناك الآلاف من المقاتلين وعائلاتهم في منطقة ليست مستقرة عسكريا ولا سياسيا، إن المجتمع الدولي لا يؤدي دوره”.

حفر خنادق تجهيزا للمعركة التالية

في الأراضي القريبة من الحدود التركية تجد رجالا مع جرافات ورافعات وعربات، يحفرون مئات الخنادق، استعدادا لما يمكن أن يكون المعركة الكبيرة التالية، حيث كان الرئيس التركي قد هدد بإرسال قواته إلى الداخل السوري لمحاربة القوات الكردية؛ والتي يعتبرها مجموعات إرهابية معادية لتركيا.

على طول الطريق الرئيسية المؤدية إلى منبج التي تقع بالقرب من الحدود التركية، حفرت أنفاق جديدة،  وتبدو هذه الأنفاق كبيرة بحيث تسمح للمقاتلين بالهروب إليها والتوغل في الأرض كل بضعة مئات من الأمتار، كوباني المدينة ذات الغالبية الكردية، أصبحت مليئة بالخنادق، أنفاق على طول الطريق الرئيسية، بالقرب من مقبرتها، وفي الأوساط المزدحمة، وعلى مرأى من مخافر الحدود التركية.

مسؤولون في قوات سوريا الديمقراطية رفضوا التعليق على هذه الأنفاق، ولكن السيد شرفان درويش العضو في مجلس منبج العسكري قال بأنّها من أجل الدفاع في حال حصول أية هجمات في المستقبل، حيث يقول ” إن قتالنا في السابق كان مع تنظيم داعش، ومعركتنا القادمة ستكون مع دول، وهذا جزء من خطتنا الدفاعية”.

خلال الحرب كانت تركيا ترقب بحذر الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية التي أصبحت أقوى على حدودها، كما أن سوريا و روسيا قدمتا وعودا بإعادة الأراضي إلى سلطة النظام السوري، واستخدام القوة في حال استدعى الأمر.

قادة محليون يقولون بأنّهم يفضلون التوصل إلى اتفاق مع النظام السوري أكثر من قتال تركيا، ولكن المفاوضات مع النظام لم تفض إلى شيء وفق ما صرحت به إلهام أحمد المسؤولة التي شاركت في هذه المحادثات وأنّ جهود هؤلاء المسؤولين المحليين لرسم خريطة للمستقبل السياسي باتت معقدة حتى في ظل السياسات الأمريكية غير الواضحة.

تقول إلهام أحمد “إن دولة كالولايات المتحدة لا ينبغي لها أن تكون كذلك، وهذه التصريحات الصادرة عن الرئيس الأمريكي هي مفاجئة للجميع”.

حصيلة ضحايا مستمرّة

إن سنوات من قتال تنظيم الدولة تسبب في خسائر فادحة من قتل آلاف المقاتلين، وعدد لا يحصى من المدنيين وتنتشر على الطرق والساحات والميادين شارات ولوحات لإحياء ذكرى المقاتلين الذين سقطوا.

لوحات تحمل العشرات من الوجوه داخل مشفى لإعادة التأهيل في كوباني حيث يعمل أخصائيو العلاج الطبيعي مع المقاتلين الجرحى، أحدهم كان هناك وعرف نفسه باسم سوار كوباني، كان يقاتل في الرقة عندما انفجر فيه لغم وأصابت الشظايا عموده الفقري وشلته من الوسط إلى الأسفل (لقد مرّ عامان وأنا لا أتحسّن) ويعلم هذا المقاتل أن نحو 200 شخص قتل في ذلك التفجير على الأقل، ويقول أن الأمر كان يستحق التضحية، (فإذا لم نقاتلهم نحن، سوف لن يكون هناك مستقبل أفضل.

لا تزال أغلب المناطق في الرقة تحت الأنقاض التي تعتبر أكبر مدينة في المنطقة، وكانت عاصمة الجهاديين.

الحياة عادت إلى الشوارع مع إعادة فتح المتاجر والمطاعم وشرطة المرور تلوح ليبتعد السائقون الذين يسدون التقاطعات، ولكن الخراب والدمار طاغ، وعدد لا يحصى من الأبنية لا تزال غير صالحة للسكن.

في أحد الأحياء التي دمرت بشدة كان هناك صاحب مكتب عقاري واسمه محمد الحمود يحدّق من مكتبه إلى منظر الدمار، ومنذ أن افتتح مكتبه قبل نحو أسبوعين، أغلب الزبائن كانوا من السكان السابقين في الحي.

والذين يرغبون في بيع شققهم المدمرة وقد باع اثنان منها وكانتا قد دمرتا، وقد باعها إلى أشخاص يريدون إصلاحها “هناك طلب قليل، لأن السنوات دائما ما كانت تعاقب الناس بالحرب والدماء والنزوح”.

ولكن حمود مستمرّ في محاولة إعادة هذا الحي إلى الحياة، لذا استأجر مكتبا وقام بتبليطه واشترى كراس بانتظار الزبائن الذي يبدو متأكدا من قدومهم، حيث يقول: (إنها البداية).


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق