الشريط الإخباريتقارير

صحيفة هآرتس: مستقبل اللغة الكردية مرهون الآن بالتوازنات الدولية في المنطقة

الكاتبة: إليزابيث تسوكوف، لصحيفة هآرتس، بتاريخ ٢٣ نيسان ٢٠١٩

عن الإنكليزية: سوز حج يونس

إنّ الحرب الأهلية في سوريا، قلّصت من قبضة نظام الأسد على شمال شرق سوريا، مما سمح للثقافة الكردية بالظهور للعلن مجدّدا، إلا أنّ السكان المحليين هنا يتخوفون من أن تؤدي الأحداث الحالية إلى تراجع هذه الثقافة مرة أخرى.

في القامشلي والمالكية شمال سوريا، الطلاب في جامعة روجافا يقفون لتحية بروفيسور الأدب الكردي، القاعة الكبيرة تبدو معتمة إلا من إضاءة غير مباشرة لأشعة الشمس، لأنّ الكهرباء مقطوعة هنا معظم ساعات اليوم، والمحاضِر الذي يناديه الطلاب بالبروفيسور، لم يكمل دراسة الماجستير حتى.

على الرغم من التحديات الكبيرة، إلا أن الطلاب هنا يصنعون التاريخ، إذ أنّهم يعتبرون من بين الدفعات الأولى التي ترتاد هذه الجامعة، والتي تعطى حصصها وموادها الدراسية بـ (الكرمانجية) وهي الكردية المحكية في سوريا وتركيا.

افتتحت جامعة روجافا قبل ثلاث سنوات فقط، في منطقة الإدارة الذاتية، التي أسّسها الكرد السوريون في شمال شرق سوريا، وتعتبر هذه الجامعة كجزء من محاولة إحياء اللغة الكردية والتي كانت مقموعة على مدى عقود، إلا أنّ إحياء هذه اللغة بات مهددا الآن، على اعتبار أنّ مستقبل المنطقة، مرهون الآن بالتوازنات التي أعقبت الإعلان عن سحب القوات الأمريكية من سوريا، والتي يعتبر وجودها بمثابة حماية للكرد، من عودة النظام وكذلك من الغزو التركي.

إنّ نسبة ١٠% من تعداد السكان في سوريا، هم من الكرد، إلا أنّه وفي ظلّ حكم حزب البعث، في عهد كل من حافظ الأسد وبشار الأسد، كان التعبير عن الهوية الكردية، أمرا معرّضا للقمع والعقاب.

وقد عانى الكرد من التمييز ضدهم، كما أنّ المناطق الكردية في سوريا؛ والتي كانت محاذية للمنطقة الحدودية التي يسكنها الكرد في كل من تركيا والعراق، كانت هذه المناطق تحصل على الجزء القليل من ميزانية الحكومة، مما ساهم في إفقار هذه المناطق.

إن المطبوعات باللغة الكردية، والتي كانت ممنوعة في عهد حافظ الأسد، واستطاعت أن تحصل على متنفس صغير لها في عهد ابنه بشار الأسد، بدأت في العام ٢٠٠٢.

يروي (زارا) وهو شاعر و روائي كردي معروف، متحدثا إلى صحيفة هآرتس في منزله الرحب وسط مدينة القامشلي، كيف أنّه تم استجوابه، لأنه نشر أغنية كردية سياسية للأطفال في جريدة كردية في تركيا، (أغلب أسماء الكرد في هذه المقالة هي أسماء تم تغييرها، حفاظا على سلامة هؤلاء الأشخاص على اعتبار أنّهم يتحدثون إلى صحفية إسرائيلية).

في البداية كان زارا قادرا ولسنوات، من أن يتهرّب من مضايقة السلطة له، فكان يستخدم اسما مستعارا للكتابة، ويقومون بالسفر إلى بانياس ذات الغالبية العلوية، حيث تقل هناك الرقابة الأمنية، ويقوم زارا من هناك بإرسال رواياته وقصائده، وكتب زارا لم يكن من الممكن طباعتها داخل سوريا، حيث يتم طباعتها خارج البلاد ثم يتم إدخالها إلى سوريا  عن طريق التهريب، أو يتم طباعتها في دمشق، والتحايل بالقول إنها طبعت في بيروت.

كما أنّ التعليم باللغة الكردية، كان أمرا ممنوعا في ظلّ حكم الأنظمة القومية العربية، التي حكمت سوريا منذ الاستقلال.

شيار وهو من سكان مدينة القامشلي، وهو في الثلاثينات من عمره، يستذكر لنا كيف أن والده كان يرسله لتعلم اللغة الكردية “لقد قال لي بأن لا أتحدث عن هذا الأمر لأحد، اعتدت أن أحمل دفتري تحت ملابسي، وكنت أشعر بالخوف دائما، لقد كنت طفلا، ولكنني كنت أشعر بأنّ هناك أمرا ما غير عادي”

“وعندما أصبحت بالغا، أدركت بأنه كان يمكن أن يتم اعتقالي أنا  وأستاذي، وأن يتم تعذيبنا، بل وحتى قتلنا، لأننا كنا نقوم بهذا الأمر”.

بارين وهي صحفية وناشطة من القامشلي أيضا، تصف لنا كيف أنها انضمت إلى حلقات لتعلم اللغة الكردية، في العام ٢٠٠٩ خلال فترة دراستها في جامعة حلب: “لقد كنا خمسة أشخاص ندرس مع أستاذ واحد، وكانت الفكرة بأن يتعلم كلّ واحد من اللغة الكردية، ثم يقوم بعدها بتعليمها إلى خمسة أشخاص آخرين” وبعد أن أصبحت بارين قادرة على تعليم الأبجدية الكردية لخمسة أشخاص آخرين، تم الإخبار عنها لدى الأمن السوري، والذي داهم مكان عملها، واضطر المشرف عليها في العمل أن يدفع رشوة لعناصر الأمن حتى يرحلوا، ولكنه قام بعدها بتسريح بارين من العمل، تقول بارين بينما تلمع عيناها “كانت هذه هي اللحظة التي أدركت فيها بأنني كردية، ولست سورية، وسوف لن أنسى هذه اللحظة المرعبة أبدا”.

أحلى الأيام

في العام ٢٠١١ ومع نشوب الحرب الأهلية، فقد نظام الأسد سيطرته على أجزاء واسعة واسعة من سوريا، كما وشهدت البلدات الكردية أيضا، تظاهرات ضد النظام، والتي تميزت بالأعلام والأناشيد الكردية، وقد سارع السوريون من مختلف المناطق السورية، إلى الاستمتاع بهذا الفضاء الناشىء حديثا، للتنظيم والتظاهر، ونشر المجلات، ومناقشة السياسة، وذلك للمرة الأولى في حياتهم.

وفي شمال شرق سوريا، انطلق الكرد لتعلم لغتهم؛ والتي كانت محظورة ولفترة طويلة، وتستذكر الرئيسة المشتركة لهيئة التربية في شمال شرق سوريا سميرة حاج علي، كيف أنها كانت تتعلم الكردية، ولأول مرة في حياتها في العام ٢٠١٢

“لقد جمعنا المال وقمنا ببناء مدرسة مدرسة مكونة من غرفتين في مدينة القامشلي” وتقول “على الرغم من عدم وجود الكهرباء في ذلك الشتاء، حيث كان البرد قارسا في المدرسة، لدرجة أن أقلامنا كانت ستسقط من أيدينا” ولا تزال تستذكر تلك الأيام على أنها “أجمل أيام حياتي”.

وفي منتصف العام ٢٠١٢، هاجمت فصائل المعارضة مدينة حلب، مما اضطر النظام لسحب قواته من مناطق من سوريا، وتوجيهها إلى حلب، حيث تم سحب أغلب قوات النظام، من شمال شرق سوريا، تاركا المنطقة للحزب الكردي المسيطر على الأرض وقتها، وهو حزب الاتحاد الديمقراطي (والذي حافظ على سياسة الطريق الثالثة، وهي عدم الانحياز مع نظام الأسد، ولكن عدم محاربته أيضا).

ومع سيطرة الكرد على مناطقهم، ولأول مرة في تاريخ سوريا ما بعد الاستقلال، فقد تم رفع القيود التي كانت مفروضة على استخدام وتعلم اللغة الكردية.

وتتميز واجهات المحلات، وإشارات الشوارع، والوثائق الرسمية، في المنطقة اليوم، بأنها مكتوبة باللغتين العربية والكردية، وأحيانا السريانية؛ وهي اللغة التي يتحدث بها المجتمع السرياني في المنطقة.

تحتفي العديد من الفعاليات العامة، وعدد كبير من وسائل الإعلام المحلية التي ظهرت في المنطقة بالتنوع العرقي واللغوي فيها. وفي بداية العام 2017 فرضت الإدارة الذاتية مناهجها الخاصة وتعليم اللغة الكردية في المدارس وفي المناطق ذات الغالبية الكردية يدرس العرب والكرد والسريان بلغاتهم اعتبارا من الصف الأول وحتى العاشر.

تقدم جامعة روجافا حاليا حصصا أغلبها باللغة العربية ما عدا الأدب الكردي الذي يدرس بالكردية، تقول سميرة حاج علي لـ هآرتس بأنّ هناك نية لتدريس مواد أخرى باللغة الكردية في السنوات القادمة.

“التحزّب الكردي”

لا يؤيّد كل سكان هذه المنطقة المنهاج الجديد، يعارض البعض ذلك بسبب المحتوى التعليمي الذي يرون أنّه “تمرير لأفكار حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يضع هذه المناهج الدراسية” بينما يشعر آخرون بالقلق حيال استمرارية النظام التعليمي في المنطقة على المدى الطويل، ويشعرون بالقلق فيما لو استعاد النظام السوري المنطقة، فإنّ أطفالهم سيكون في وضع غير جيد، لأنهم درسوا منهاجا غير معترف به وستكون اللغة العربية لغة ثانية بالنسبة إليهم، فعلى سبيل المثال، المناطق التي استعادها النظام من المعارضة اضطر الأطفال هناك إلى تكرار جميع الصفوف الدراسية بسبب رفض النظام الاعتراف بالمنهاج البديل.

وقد ازدادت هذه المخاوف بعد الإعلان المفاجئ للرئيس الأمريكي بسحب كافة القوات الأمريكية من سوريا ثم عدل القرار بعدها بإبقاء بضع مئات من الجنود الأمريكيين في المنطقة، لكن الإدارة الذاتية هنا تواجه تهديدات من تركيا وكذلك من النظام السوري حيث يرفض نظام الأسد قبول أي حكم ذاتي حقيقي داخل حدود سوريا وما انسحابه من مناطق معينة من سوريا إلا بسبب ضعفه العسكري، وهو مصمم على بسط سيطرته على شمال شرق سوريا الغني بالنفط، وكما أنّ هناك تهديدا آخر وهو تركيا والتي عارضت بشدة ظهور حكم ذاتي كردي في شمال سوريا بسبب العلاقة والأيديولوجيا الوثيقة بين حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني التي تراها تركيا كمنظمة إرهابية، حيث وجهت تركيا تهديدات متكررة للمنطقة وحشدت القوات مرارا لغزوها، ويدرك السكان في شمال شرق سوريا الواقع المرير في عفرين الواقعة شمال شرق سوريا، وخاضعة سابقا لسيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي، ثم قامت تركيا وفصائل المعارضة السورية بالاستيلاء عليها في أوائل العام 2018، حيث تم طمث اللغة الكردية مجددا، وتم حظر احتفالات عيد النوروز وتدمير التماثيل الكردية هناك.

ويتم تدريس اللغة التركية في مدارس عفرين كلغة ثانية بينما يتم التدريس باللغة العربية. بالنسبة للكرد السوريين كانت المدارس مكانا للقمع والعنف حيث كانوا مجبرين على حضور حصص في التاريخ والقومية تتجاهل تماما هويتهم الكردية، يصف شيار الذي درس اللغة الكردية سرا في طفولته، أنّه كان يتعرّض للضرب على يد مدرس له مرتين في الأسبوع أمام زملائه طيلة الفصل الدراسي وهو في الثالثة عشرة من عمره لرفضه الانضمام إلى حزب البعث الحاكم، ويتذكر شيار قائلا “كان يصفعني بشدة حتى يصطدم رأسي بالجدار” لم يخبر شيار والديه عن سوء المعاملة خشية أن يشتكي والده ثم يتم اعتقاله واليوم يذهب أطفال شيار للمدارس الكردية، يقول شيار بتحد، “لن أسمح لأطفالي بالدراسة في مدارس النظام مرة أخرى” “إذا عاد الأسد فسيتعين علينا الهرب”.


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق