الشريط الإخباريتقارير

المبادرة الفرنسية: حجر في المياه الكردية الراكدة


ولاتي نيوز – سعيد قاسم


حوّلت المبادرة الفرنسية مسألة وجود تيارين داخل المجلس الوطني الكردي من فكرة الى حالة سياسية قد تحدث ارباكات على مستويات مختلفة سواء للمجلس أو لأحزابه؛ تيار تتوافق مصالحه وفق مصالح الائتلاف السوري المعارض وتركيا، وتيار آخر يرى في إمكانية الاتفاق مع حركة المجتمع الديمقراطي وبالتالي الانضمام لادارة مشتركة وإنهاء حالة الحظر المفروضة على نشاط المجلس الوطني الكردي من قبل السلطة الحاكمة.
الملاحظ أن وفد المجلس الذي زار العاصمة الفرنسية باريس هو وفد خاض مرحلة سياسية وهو يعمل في صفوف الائتلاف وبالتالي من الطبيعي أن تتوافق مواقفه السياسية مع مواقف تركيا ومن الطبيعي أيضا ألّا تتّسق مواقفه مع مواقف قيادة المجلس الوطني الكردي في الداخل، وعلى ذلك جاءت التكهنات بوجود تيارين داخل المجلس تختلف مساحة اقترابهما من المبادرة الفرنسية، ولا تسير في مجرى مصالح كليهما.
ما رجّح ذلك هو محاولة إفشال المبادرة “السرية” قبل أن تبدأ من قبل تيار المجلس المقرّب من الائتلاف، من خلال تسريب المبادرة لوسائل الإعلام قبل وصول وفد المجلس الى باريس، وهو ماوضع المجلس الكردي أمام ضغوط أكبر من الضغوط الفرنسية التي بدا أن أحد أهم أهدافها من المبادرة هو إقناع المجلس الكردي بالاتفاق مع حركة المجتمع الديمقراطي على إدارة مشتركة، وبالتالي قطع الطريق أمام تركيا التي ربما تستفيد من المجلس الوطني الكردي للحصول على دور رئيسي لها في المنطقة الآمنة، وهذا ما تراه فرنسا مناقضا لمصالها وخطرا على مستقبل وجودها في شرق الفرات.
في قياس المسافة التي تنطلق منها باريس في التوجه نحو الطرفين الكرديين يلاحظ أن باريس التي تحتفظ بعدد من قواتها في شرق الفرات أقرب سياسيا لمشروع سوريا الديمقراطية الذي يقوده الاتحاد الديمقراطي ولطالما كانت فرنسا أحد أهم الدول التي فتحت أبوابها لممثلي الاتحاد الديمقراطي وممثلي مسد، قبل أن تقف الى جانب قسد في أهم المنعطفات السياسية ابان قرار ترامب بالانسحاب من سوريا، بخلاف المجلس الوطني الكردي الذي كانت علاقاته السياسية الخارجية من بوابة الائتلاف السوري المعارض كممثل سياسي لشريحة مجتمعية معينة، ولم يتم التعامل معه كممثل سياسي لمنطقة جغرافية معينة.
الغريب في موقف قيادات المجلس الوطني الكردي أنهم دائما ما كانوا يطالبون بشراكة حقيقية وفق الاتفاقات السابقة مع حركة المجتمع الديمقراطي، ودائما ما كانوا يحملون حركة المجتمع الديمقراطي مسؤولية التنصل من الاتفاقيات الثلاث التي وقعت لهدف الادارة المشتركة، إلا أن قيادات المجلس عقب المبادرة لم يصدر منها أي تصريح لغاية الان يوحي بأن المجلس متحمس للمبادرة.
المجلس الوطني يبدو بأنه ارتبك في التعامل مع هذه المبادة أو أريد له الارتباك في اتخاذ موقف واضح في وقت لعب فيه منافسه في ملعب أوسع وخاض صراعا سياسيا صامتا مع النظام حين نجح في حشد دعم شعبي له في ملتقى العشائر، بينما اقتصرت تحركات النظام على اجتماع لعشيرة طي وصورة لنخب سياسية وأكاديمية في قامشلو تحمل اشارات الولاء للنظام من خلال وجودهم في مكتب يوجد فيه صورة معلقة للرئيس السوري بشار الأسد.
حركة المجتمع الديمقراطي أيضا شاركت المجلس الكردي في التعاطي البارد مع المبادرة الفرنسية، وربما يكون اصطيادا في المياه العكرة واستغلال الارباك الحاصل في صفوف المجلس، سيما في الازمة التي يعانيها حزب يكيتي الكردستاني والتي يبدو بأنها انتهت الى شق غير معلن.
الانشقاق الحاصل في يكيتي رغم إنه لا يختلف عن عموم الانشقاقات للحركة السياسية الكردية التي نتجت عن تناقض مصالح قياداتها أو عدم تقبل نتائج انتخابات إلا أنه يعبّر عن الهشاشة الفكرية والايديولوجية للأحزاب الكردية التي تجعل من أي حزب معرضا للانشقاق حين التقدم الى أي استحقاق، عدا الاحزاب التي تؤسس حالة جماهيرية مبنية على التجييش.
بالنسبة للمجلس الكردي المعطيات تشير أن المدى المنظور يحمل في جعبته مفاجآت مختلفة و أن الاستحقاق القادم المتمثل بالتغيير المحتمل في خريطة التواجد السياسي للقوى الكردية على الواقع مرشح لإحداث العديد من الارباكات السياسية في صفوف الحركة السياسية الكردية، ولكن بخلاف المجلس تبدو حركة المجتمع الديمقراطي اليوم أكثر قدرة على التعاطي مع الاستحقاقات وقياداتها أكثر انسجاما، ويُلاحظ استعدادها التام بخلاف ما بدت عليه مسبقا من جنوح تيار من قياداتها الى عدم الذهاب في التحالف الامريكي الى أبعد حد والحفاظ على صلات الحوار مع دمشق.

في المحصلة؛ التكتم على المبادرة الفرنسية بعد مرور حوالي أسبوعين، يدفع للذهاب الى أحد الاستنتاجين إما إنها نجحت بتوقيع اتفاق سري بين الطرفين وهو ما لا تؤيده الوقائع السياسية التي ذكرناها، والاعتقاد الثاني هو حكمنا على المبادرة بأنها كانت مجرد حجر في المياه الكردية الراكدة أنتجت فقط دوائر لحديث اعلامي على مستوى محدود.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق