الشريط الإخباريتقارير

أزمة تسعير القمح: قضية لا تحتمل السياسة و”الوطنيات”


ولاتي نيوز – سعيد قاسم

لعلّ أهم ما ميّز الأزمة أو السجال الذي يدور منذ أسبوع حول التسعيرة المتدنية التي أقرتها هيئة الاقتصاد في الإدارة الذاتية لمادة القمح، هو اتفاق غالبية الفعاليات السياسية والمجتمعية على موقف واحد وهو أن القرار غير عادل ومجحف بحق غالبية شرائح المجتمع، إذ إن الانتقادات جاءت في البداية من الموالين للإدارة ومن العاملين فيها ومن رأس هرم حزب الاتحاد الديمقراطي نفسه وبالتالي قطع الطريق أمام بعض الأصوات التي حاولت تسييس القضية وتخوين الأصوات المنتقدة كما جرت العادة عندما يتم انتقاد الإدارة الذاتية في قضايا تهم مصالح المواطنين.

السجال حول تسعيرة القمح يخفي وراءه العديد من القضايا التي تهم العاملين في الادارة الذاتية أنفسهم وبالتحديد المؤيدين  للاتحاد الديمقراطي الذين يشعرون بأنهم أسسوا إدارة لمجموعة من الفاسدين يقومون بتشويه صورة حزب كلفه تأسيس الإدارة نهرا من دماء شبابه وشاباته.

  ضبابية موقف الإدارة الذاتية

في الوقت الذي لم تعلن الإدارة الذاتية فيه بشكل رسمي عن التفصيل الأهم في عملية شراء محصول القمح وهو قرار إجبار المواطنين على بيعهم للإدارة الذاتية أو تركهم أمام خيار المفاضلة بينهم وبين النظام السوري، صبّت تصريحات المسؤولين في الإدارة في اتجاه عملية الإجبار سواء تصريحات سليمان بارودو بأنهم الجهة الوحيدة المخولة باستلام المحصول او تصريحات الرئيس المشترك للمجلس التنفيذي عبد حامد المهباش بتبرير التسعيرة المدنية بأن الإدارة ستعوض المواطنين بتقديم الخدمات والتعليم، ثم جاءت توضيحات سياسية من قبل بعض السياسيين مثل عضو مجلس رئاسة الاتحاد الديمقراطي سيهانوك ديبو الذي نشر مقالة بعنوان ” قف لحظة وتمهل فإن 150 أكبر من 185″ وحاول ديبو في مضمون المقالة تبرير السعر بالحديث عن أهمية تجربة الادارة الذاتية كنظام حكم قبل أن يحاول إيهام القارئ بأن النظام السوري يتبع نظام الدرجات في استلامه لمحصول القمح من المواطنين ويفرض رسوم وضرائب وغير ذلك، رغم إن الفارق بين الدرجة الأولى والدرجة الرابعة لا يتجاوز عشر ليرات.

مجمل هذه التوضيحات أدت إلى تكوين فهم عام لدى المزارعين “الذين يشكلون الغالبية العظمى من مواطني الإدارة الذاتية”، بأن الإدارة الذاتية ستجبرهم على حصر عملية البيع بها، قبل أن يخرج بارودو بتصريح آخر لوسائل الإعلام بأن الإدارة الذاتية لن تجبر المواطنين على بيعهم المحصول وهم مخيرون في عملية البيع لها او لجهات أخرى “دون تحديد النظام بالاسم” إلا أن ذلك لم يوقف حملة الانتقادات للاداراة الذاتية كونها مجرد تصريحات لوسائل الاعلام وليس قرارا رسميا من المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية وبالتالي بقاء الأمور مبهمة. 

  العملية الحسابية

بخلاف فارق السعر الكبير بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية فإن عملية البيع للنظام  تشتمل على ميزات إضافية لا تتوفر في الإدارة الذاتية مثل حصول المزارع على تعويضات عن المبالغ المالية التي صرفها على زراعة المحصول، حيث يحصل على تعويض مادي مقابل عمليات الشحن والتعبئة وأمور أخرى، ناقصا منها رسوم عن العيوب التي أصابت محصوله وتسمى بالاجرام، وضرائب وغير ذلك، الا انه بالمحصلة يحصل المزارع على تعويض جيد إذا ما باعها للحكومة السورية قياسا ببيعها للتجار أو للإدارة الذاتية.

وعلى ذلك فإن فارق السعر بين الإدارة الذاتية والنظام عن كل طن ليس فقط 35 ألفا وإنما أيضا آلاف أخرى يحصل عليها المزارع كتعويض عن الشحن والتعبئة.

سيناريو الفساد

السيناريو المحتمل هو أن تنحصر عملية شراء المحصول بفئة من التجار يعملون لصالح مسؤولين فاسدين في الإدارة الذاتية، وهؤلاء يمكن أن يعملوا على إصدار قرارات ناظمة لعملية بيع المحصول بهدف التحكم به وشل حركة المزارعين لذلك يتخوف المزارعون أن تصدر قرارات تهدف لعرقلة أي عملية نقل يمكن أن يقوم بها المزارع لهدف شحن محصوله الى مراكز النظام، وبالتالي السيطرة على حركة البيع والشراء لهدف حصرها بفئة معينة، أو أن يتم نشر شائعات بأن قوات الأسايش ستقوم بمصادرة أي شحنة للقمح يتم نقلها من مكان لآخر، أو أن يتم اللعب على الوتر العاطفي بالعمل على إصدار قرار يضع كل من يقوم بعملية تجارية مع النظام تحت طائلة الغرامة والمسؤولية.

يصعب التكهن بما يمكن أن تفعله شبكة الفساد ولكن المؤكد أنها ستستخدم كل السبل لاستغلال ضعف المزارع وقلة حيلته، و لن توفر جهدا لإزالة مصاعب إدارية أو أمنية قد تمنعها من التحكم بتجارة القمح، وإن تحقق لها ذلك فإنها قد تعمل ضد مصالح الإدارة الذاتية من خلال بيع قسم كبير من المحصول للنظام وعدم الاحتفاظ بكافي الإدارة الذاتية للسنوات المقبلة كما تفعله معظم السلطات في العالم حيث تحتفظ بمخزون يكفيها ثلاث سنوات على أقل تقدير، تحسبا للجفاف أو الحروب.

كلمة أخيرة

الأخبار القادمة من الرقة تؤكد أن النظام يجنّد خلاياه لإحراق محصولي القمح والشعير، ويبدو ان النظام السوري جاد في خوض حرب القمح ضد الإدارة الذاتية من خلال السعر المرتفع والتعليمات التي أصدرها مجلس الوزراء لتسهيل عملية الشراء وبوجه خاص قراره بصرف فاتورة الشراء بمدة أقصاها 72 ساعة، كل هذا يضع الإدارة الذاتية أمام مسؤولية التعامل مع القمح كمحصول استراتيجي، ويفرض عليها الالتزام بمصالح المواطنين، والأهم من ذلك هو إغلاق الباب أمام مقارنتها بنظام اعتاد نهب ثروات شعبه.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق