الشريط الإخباريتقارير

وول ستريت جورنال: مركز تأهيل أطفال داعش، هل يتم الترويج فيها لأيديولوجيا على حساب أخرى؟!

رجا عبدالرحيم لصحيفة وول ستريت جورنال، بتاريخ ٣١ آيار ٢٠١٩

عن الإنكليزية: سوز حج يونس

تل معروف، سوريا – في مكتبة لا تحتوي سوى على رفوف خالية، تناوب أربعة من الوافدين الجدد واقفين أمام الجدار، لأخذ صور شخصية لهم.

وفي دفتر ملاحظات كتبت أسماء هؤلاء، والجرائم والتهم الموجّهة ضدهم، وكيف تم القبض على كلّ واحد منهم، وعلى غلاف دفتر الملاحظات هذا كتبت عبارة تقول (انظر إلى المستقبل).

ويهدف البرنامج الذي تديره الإدارة الذاتية الكردية المدعومة أمريكيا، إلى إعادة تأهيل الشباب؛ الذين هم في معظمهم عناصر سوريون مقاتلون في تنظيم الدولة في السابق، وكما يهدف هذا البرنامج أيضا إلى مساعدتهم في عودة الاندماج مع المجتمع.

وفي السجون والمخيمات السورية التي يحتجز فيها عشرات الآلاف من المقاتلين السابقين في تنظيم الدولة وعائلاتهم يتم العمل بعدد قليل من برامج إعادة التأهيل.

والمركز الذي الذي يقع في تل معروف في شمال شرق سوريا، وهو جزء من مركز احتجاز للأحداث، وهو جزء من مدرسة، حيث يقضي المقيمون فيه أحيانا أحكاما بالسجن لسنوات طويلة، ويقوم مسلحون بحراسة المركز عبر التمركز على السطح، كما أنّ هناك كاميرات مثبتة في كلّ غرفة، وهناك جدول بأنشطة المركز مثل الحصص الدراسية والرياضة، وذلك بهدف إبعاد هؤلاء الأطفال عن أفكار وأيديولوجية تنظيم الدولة.

وتقول خديجة محمد التي تترأس المركز، إنّ أغلب الفتيان لم يعيشوا طفولة عادية، وهم يسترجعونها فور وصولهم للمركز وتقول “إذا تأخر موعد تقديم الغذاء قليلا، فإنّهم يأتون وهم يتضورون، وأيديهم على بطونهم، والدموع تملأ عيونهم”.

وفي الأيام القليلة الماضية شاهد طلاب المركز فيلم “الهوبيت” ولم تمنع المشاهد العنفية في هذا الفيلم الخيالي، من أن يشاهد من قبل الطلاب الذين كانوا مقاتلين سابقين في تنظيم الدولة. كما أنّهم يشاهدون الأخبار أيضا، والرسوم المتحركة، والكثير من أفلام البوليود، قال أحد مسؤولي المركز “إن هناك الكثير من العنف، وبعض المواد الإباحية”.

وقال التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة بأنّه يدعم برامج إعادة التأهيل وإنهاء التطرف، التي يقودها المجتمع الدولي، وقال بيان للتحالف “في النهاية، سوف يتطلّب الأمر جهدا دوليا لضمان الهزيمة الدائمة لـ (الدولة الإسلامة) وهذه البرامج ليست سوى خطوة أولى”. إلا أنّ أغلب هذه البرامج غير موجودة في الحقيقة حتى الآن.

وفي ربيع هذا العام تدفّقت أفواج من الرجال والنساء والأطفال، الذين خرجوا من آخر معاقل تنظيم الدولة، حيث أعلن كثير من هؤلاء صراحة عن دعمهم وإيمانهم المستمرّ بأيديولوجية التنظيم المتطرّف، وتعهّدوا بنقلها إلى الجيل القادم.

ويحتجز كثير من الرجال الذين يعتقد بأنّهم كانوا مقاتلين سابقين في تنظيم الدولة داخل سجون تديرها قوات سوريا الديمقراطية؛ التي تدعمها الولايات المتحدة.

وعناصر قوات سوريا الديمقراطية هي التي تلقي المحاضرات، وتقوم بتعليم المهارات المهنية للمحتجزين لديها، رغم أنها تفتقر إلى التدريب الاحترافي فيما يخصّ إعادة التأهيل.

ويقول كولن كلارك الباحث في مركز صوفان، وهو معهد عالمي للأبحاث الأمنية المتعلّقة بالتطرف “هؤلاء عناصر في ميليشيا، وهم ليسوا متخصّصين حتى في إدارة السجون، وهم بالتأكيد ليسوا خبراء في إزالة التطرف”.

يحتجز عشرات الآلاف من الأشخاص الذين هم في معظمهم من السوريين والعراقيين، داخل مخيمات في سوريا، وتحذّر جماعات حقوق الإنسان من أنّ القيود والظروف المعيشية القاسية داخل المخيّمات قد تؤدي إلى مزيد من التطرف.

وقد حذر السيد كلارك مؤلف كتاب (ما بعد الخلافة) من أنّ هزيمة تنظيم داعش على الأرض لم تنه التهديد الذي يشكّله التنظيم على المنطقة والعالم.

“لقد سخّرنا الكثير من الوقت والجهد لمحاربة تنظيم داعش، وإنجاز الجزء الأصعب من الأمر، إذا لماذا لا ننهي المهمة؟!”. “لم أر أية استراتيجية، حول ما قد تكون عليه الخطوات التالية”.

يحوي مخيّم الهول في شمال شرق سوريا على أكثر من ٧٠ ألف شخص معظمهم من النساء والأطفال، حيث عاش العديد من هؤلاء في ظلّ حكم تنظيم الدولة حتى أيامه الأخيرة.

وقد طلب القائمون على إدارة المخيم، من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، أن يقدّموا الدعم في سبيل وضع برنامج لإعادة التأهيل في المخيم.

حيث قال محمد كارو الذي يساعد في إدارة المخيم “إنّ التحالف قال بأنّه سيساعد في هذا الأمر، إلا أنه لم يفعل ذلك حتى الآن” وقد رفض التحالف التعليق على طلب المخيم.

واليوم يعيش معظم الناجين من مقاتلي تنظيم الدولة السابقين وعائلاتهم، داخل سوريا في مناطق لا تسيطر عليها قوات الحكومة السورية أو حلفاؤها.

في ماريا التي تقع في منطقة شمال غرب سوريا، والتي تسيطر عليها قوات المعارضة السورية المدعومة تركيا، افتتح أنصار المعارضة المحلّية هناك مركزا، يهدف إلى تخليص مقاتلين سابقين في تنظيم داعش، من التطرّف وذلك في أواخر العام ٢٠١٧، حيث تلقى العشرات من هؤلاء محاضرات يومية، وقدّمت لهم نصائح، بشأن التحديات التي تواجه عودة اندماجهم مع المجتمع السوري.

وقد أغلق هذا المركز بعد مدة قصيرة من إتمامه عامه الأول على افتتاحه، وذلك بسبب نفص دعم المانحين، حيث أعيد هؤلاء الأشخاص ممن شملهم برنامج المركز إلى السجون التي تديرها المعارضة.

وقال كريس إنجلس مدير لجنة العدالة والمساءلة الدولية والتي قدمت المشورة للمركز الناشئ “لقد كانت هذه فرصة للعمل على إعادة الاندماج وإعادة التأهيل داخل سوريا” “وهذا يبدو وكأنّها فرصة ضائعة”.

وتظهر جذور تنظيم داعش خطر حبس المتطرفين دون إعادة تأهيلهم،  فقد كان معسكر بوكا، والذي كان مقرّ احتجاز تديره الولايات المتحدة في العراق، حيث كان يحتجز فيها أبو بكر البغدادي في 2004 والذي سيصبح فيما بعد زعيم تنظيم داعش المستقبلي، وكان هذا المعسكر بمثابة أرض تجنيد للجماعة.

يهدف من هذا البرنامج في تل معروف، مركز حوري لحماية وتعليم الأطفال إلى منع حدوث ذلك مجدّدا، وإن كان ذلك على نطاق ضيق، وهو سيستهدف الشريحة التي كانت تسمّى (أشبال الخلافة) من الفتيان والمراهقين الذين تم تدريبهم كمجنّدين أطفال، حيث أرغم بعضهم على تنفيذ إعدامات، ودرّب آخرون ليكونوا انتحاريين، وتختلف التقديرات حول عدد القاصرين الذين درّبهم تنظيم داعش، حيث يقدر العدّد بالآلاف.

ويستطيع مركز حوري استيعاب مئة منهم في كلّ مرة،  ومنذ أن افتتح المركز في العام 2017، فإنّ عشرات قليلة فقط من هؤلاء الفتيان تم إطلاق سراحهم وإعادتهم إلى عائلاتهم.

وعادة ما تكون المحطة الأولى للوافدين الجدد إلى المركز هي صالون الحلاقة، حيث يتم حلاقة شعورهم الطويلة الذين وصلوا لتوهم كأنهم نقلوا من سجن مكافحة التشدد، لذا فإن شعورهم كانت مقصوصة مسبقا وبشكل قصير جدا، بحيث كانت ظهرت صلعة رؤوسهم.

أحد الفتيان كان يملك ندوبا على وجهه وذراعيه، كانت هذه الندوب تبدو وكأنّها آثار وشم تمت إزالته، لا يقدّم هذا المركز الكثير فيما يخصّ إعادة التأهيل عدا عن الاستشارات النفسية، والشعور بالحياة الطبيعية، حيث لا يوجد حديث عن الإسلام للتصدي للتعاليم الإسلامية المتشدّدة التي تبناها تنظيم الدولة الإسلامية.

يصل بعضهم إلى المركز دون معرفة القراءة أو الكتابة، تقول السيدة محمد إن كتب المكتبة لا تزال قيد المراجعة لضمان عدم إساءة فهمها من قبل الأولاد.

في إحدى صفوف المركز توجد مجموعة من الكتب بينها كتاب التلوين سبونج بوب كما يوجد كتاب لعبد الله أوجلان القائد القومي الكردي المسجون في تركيا، كما توجد صورة للسيد أوجلان في مكتب الإدارة.

حيث يلعب شخص السيد عبد الله أوجلان وتعاليمه الماركسية دورا بارزا في المناطق شبه المستقلة التي أقامها الكرد الذين تدعمهم الولايات المتحدة.

ووسط كلّ هذا هناك سؤال يطفو على السطح، هل هناك أيديولوجيا يتم ترويجها على حساب أيديولوجيا أخرى.

وتقول السيدة خديجة محمد عن ذلك؛ أي عن الأولاد العرب الذين يتعلمون عن السيد أوجلان “إنّ الأمر متروك لهم” “إنهم أحرار” “في اتخاذ القرار”.


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق