الشريط الإخباريتقارير

هل تكون التهديدات التركية الآنية فقاعة أمام تطمينات “روباك” الاستراتيجية ؟

ولاتي نيوز _ هلبست جاجان

ليس غريبا أن تخلق الحشود العسكرية التركية وإزالة قطع من الجدار الاسمنتي الحدودي هواجس لدى الشعب في مناطق الإدارة الذاتية، ولكن لا يمكن إغفال جملة الوعود الأمريكية والتصريحات التطمينية من التحالف وأمريكا خصوصا للكرد والإدارة الذاتية باستمرار التعاون معهم ودعمهم لمرحلة ما بعد الانتهاء العسكري من تنظيم داعش.
قضيتان في منتهى التناقض يمكن الإجابة عنهما من خلال بيان مدى قدرة تركيا على اجتياح مناطق شرق الفرات وجملة التأويلات والحسابات التكتيكية والاستراتيجية لكافة الأطراف، فكيف يمكن استدراك كل هذا القلق من هذا الاجتياح المحتمل؟

قد تكون التطمينات التي أطلقها وليم روباك ( المستشار الأمريكي الخاص ضمن قوات التحالف الدولي لمحاربة داعش ) لدى زيارته لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا يوم الأحد الماضي منطلقا للإجابة، حيث أكد بأنهم لن يسمحوا بأي تهديد لشمال وشرق سوريا وأن دعمهم لقوات سوريا الديمقراطية سيستمر، وهنا يجب أن نرفق مجموعة واسعة من النقاط الهامة مع هذا التصريح أولها مسألة العقوبات الأمريكية المنتظرة بحق الجانب التركي بسبب بدء وصول شحنات صواريخ ال s400 الروسية، وتبدو هذه الحركة عبارة عن مساومة تركية لمنع أمريكا من تنفيذ تهديداتها هذه وافتراض أن هذه التهديدات التركية تقابل التهديدات الأمريكية وهو الأمر الذي يجب على تركيا أن تدرك بأن هذه المعادلة غير متوازنة وأن شراء هذه المنظومة سيجلب العقوبات لا محالة وقد تكون مؤقتة ومؤثرة بدرجة معينة وإن وصلت أحيانا لدرجة قاسية ولكن بالمقابل فإن اجتياح شرق الفرات يعني الكارثة لتركيا لأنها توقعها في الفخ الأكبر وهذا ما سيكون ضربة أقسى على حكومة طيب أردوغان من ضربة انتخابات اسطنبول.

النقطة الأخرى هي أن داعش لم تنتهي بعد فعليا وهذا ما يدفع التحالف الدولي وعلى رأسه أمريكا للتمسك بالورقة الكردية التي أثبتت أنها الأقوى في محاربة هذا التنظيم على عكس الورقة التركية التي ظهر بأنها الأقوى دعما لداعش ومجموع القوى التي تمارس الإرهاب في عفرين وغيرها.
كما أن المصالح الدولية التي بدأت تأخذ طابعها شبه النهائي وتنتهي عملية الأخذ والرد بخصوص رسم الخارطة النهائية لتموضع هذه المصالح وهذا ما سيمنع تركيا من خلط الأوراق مجددا والعودة من البداية لتصبح روسيا لاعبا قويا على عكس رغبة الجانب الأمريكي الذي بدأ يقلص هذا الدور الروسي.
وإذا ما كانت هذه التهديدات التركية عبارة عن تصدير للأزمة خارجا فإن الضربة الكبرى ستكون عند التنفيذ من الداخل الذي بدأ يستجمع قواه بعد ارهاق طويل عاشته القوى التركية المعارضة التي بدأت أيضا بإدراك أنها لن تستطيع العودة لمجدها وأخذ دورها في حكم البلاد إلا بإسقاط ( الطاغية ) وذلك عبر التحالف بين كل القوى قبل كل شيء كما حدث في انتخابات اسطنبول التي مارست فيه المعارضة سياسة نسيان الاستراتيجيات لحين والعمل تكتيكيا لبعض الوقت ونجحت في الحصول على نتائج ايجابية عبر هذه الممارسة، فالقوى التي كانت تغض النظر عن خروج أردوغان بجيوشه إلى ما وراء الحدود لن يكون موقفها كما السابق لأنها ستمارس عملية تكتيكية تعمل من خلالها على الضغط اعلاميا وشعبيا على هذا “القائد” الذي يوقع تركيا في أزمة تلو الأخرى.
قد تبدو اللوحة ضبابية بعض الشيء ولكنها مجرد استمرار لمعايشات ومفاوضات حالية ولن يكون بإمكانها أن ترتقي لأن تصبح نقطة انعطاف هامة لأن نقطة الانعطاف كانت في شراء منظمة الصواريخ ونحن الآن أمام نقطة معاقبة تركيا وليس مكافأتها فعملية المكافأة ستكون ضربة قاصمة للسياسة الأمريكية في المنطقة برمتها وستكون ضربة قاصمة للحلم الاسرائيلي في التخلص من الرعب الناتج من الإرهاب وستشمل المكافأة روسيا وايران والنظام السوري وكل الأطراف التي تقف على الضفة الأخرى في مواجهة أمريكا وسياساتها، فهل من الممكن أن تعمل أمريكا على خسارة حليف تعمل معه وينتصر لأجلها وتكافئ حليفا يعمل على خلق انتصارات لمناهضي الوجود الأمريكي في المنطقة؟
وربما يمكن تقريب اللوحة أكثر لمعرفة تفاصيل أكثر دقة ألا وهي كافة التفاصيل التي ستشملها المحادثات الأمريكية التركية بشأن المنطقة الآمنة أي أن هذه التحركات والحشود التركية هي مجرد ورقة ضاغطة للحصول على مكاسب في هذه العملية التي لا يمكن تسميتها بالتفاوضية بل ( التشاورية ) كون الجانب الأمريكي لم يرضَ بعد بأن تكون تركيا طرفا مفاوضا وحيدا في هذه المسألة بل إنه ما زال يحيل القضية لآجال أخرى لأن مسألة المنطقة الآمنة لم تكتمل أطروحتها النهائية بعد ولم تتفق كافة الأطراف المعنية على تفاصيلها، ومجرد التفكير التركي بهذا الاتجاه يعني أنها ترغب في ابتزاز الجانب الأمريكي بضرب حلفاء اليوم ( قوات سوريا الديمقراطية ) وإعادة الجانب الأمريكي رغما عنه لحليف الأمس ( الذي تعامل مع روسيا في صفقة تاريخية على حساب أمريكا )، ولكن هل هذا ممكن عمليا؟ ألم تتراجع الليرة التركية ما أن أعلنت الإدارة الأمريكية بأنها بصدد دراسة مجموعة من العقوبات على تركيا؟
وفي النهاية لا يمكن اعتبار التطمينات الأمريكية وعودا وتطمينات خلبية آنية مضللة للجانب الكردي لأن المسيرة لا تزال طويلة أمام أمريكا في حروبها لأجل السيطرة على المنطقة وليست بصدد خلق أعداء جدد وخسارة حلفاء قاتلوا لأجلها وأجل العالم بأسره ليمنعوا عنهم الإرهاب.
روباك يطمئن وهذه التطمينات ليست تطمينات لأجل يوم وليلة بل هي تطمينات تتجاوز مسألة التوقيت لتشمل مسألة تنفيذ استراتيجيات.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق