الشريط الإخباريتقارير

تركيا وصفقة الصواريخ (رمزية التاريخ والتوقيت)

عمر فاروق، صحيفة لوس أنجلس تايمز، 13 تموز 2019

عن الإنكليزية: سوز حج يونس

توالت ردود الفعل القاسية يوم السبت عقب تسلم تركيا لمنظومة الصواريخ الروسية المتطورة المضادة للطائرات S – 400، فبينما استمر موسكو بتسليم أجزاء من هذه المنظومة إلى قاعدة جوية تركية خارج العاصمة أنقرة.

وقد بدأ شحن أجزاء من المنظومة إلى قاعدة مرتد الجوية يوم الجمعة، وعلى الرغم من تهديدات واشنطن بفرض عقوبات على تركيا، وكذلك إنذارها من أنّ هكذا خطوة قد تهدّد عضوية تركيا في حلف الناتو.

وجاء في بيان عن الحزبين تلاه إليوت إنجل رئيس لجنة مجلس النواب للشؤون الخارجية والعضو الجمهوري البارز مايكل ماكول (أن يختار احد الحلفاء في الناتو الوقوف إلى جانب روسيا وفلاديمير بوتين ضد الحلف، وأن يكون لديه علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة هو أمر يصعب فهمه)، وتلا البيان نداءات من أعضاء من الكونغرس للرئيس ترامب لمعاقبة المسؤولين في أنقرة، حيث جاء في بيانهم أنّ (تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان يجب أن يواجهوا عواقب وخيمة نتيجة هذا القرار).

ورغم أنّه يمكن أن يكون قرار شراء منظومة الصواريخ هذه بمثابة بداية النهاية لما يقرب من 70 عاما من التعاون العسكري بين أنقرة وواشنطن، إلا أنّه يعتبر بالنسبة إلى الكثيرين في تركيا كخطوة حيوية للأمن القومي التركي.

وتأتي هذه الصفقة كجزء من تفاهم أوسع بين تركيا وروسيا حول سوريا، هذا المستنقع الجيوسياسي الذي بات “إسفينا” بين أنقرة وواشنطن، حيث دعمت روسيا الحليف التقليدي سوريا والرئيس بشار الأسد في حرب أهلية مدمرة ضد معارضيه الذين تدعمهم تركيا، غير أنّ بلدين كروسيا وتركيا تمكّنا من وضع اتفاقات لوقف إطلاق النار في شمال سوريا، ورغم تجدد القتال في المناطق التي تشملها هذه الاتفاقات، إلا انّ التعاون بينهما لا يزال مستمرا.

وقامت الولايات المتحدة الأمريكية وعلى الرغم من الاحتجاجات المتكرّرة من أنقرة بالدعم الجوي وكذلك الآلاف من قواتها لمساندة الفصائل الكردية السورية التي تعتبرها تركيا إرهابية، وقال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار لنظيره الأمريكي مارك إسبر في اتصال هاتفي يوم الجمعة (إنّ صفقة الصواريخ هذه ليست خيارا وإنما ضرورة) وقال إنّ التهديدات الجوية بما فيها إطلاق صواريخ من سوريا تمثل (تهديدا خطيرا) بالنسبة لتركيا، وكان وزير الدفاع التركي خلوصي أكار القائد السابق للقوات المسلحة التركية.

وإن موقع تسليم منظومة الصواريخ وتوقيتها لهما رمزية كبيرة، حيث كانت قاعدة مرتد هي الموقع صفر في محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز 2016 ضدّ أردوغان في تلك الليلة، حيث أمر قائد القوات الجوية التركية طائرات F 16 بالإقلاع واستهداف قائمة بالمنشآت الحكومية التي كان من بينها مبنى البرلمان والقصر الرئاسي في أنقرة، حيث كان أكار وقتها قائدا للقوات العسكرية التركية، والذي تم احتجازه وقتها في تلك القاعدة.

وكان أردوغان حينها في عطلة في منتجع مارماريس على بحر إيجة، وكانت طائرتا F 16 قد أمرتا بإسقاط طائرته وبالمحصلة قضى 250 مدنيا تلك الليلة إلا أنّ محاولة الإنقلاب تلك تم إحباطها.

وقال أرون شتاين مدير برنامج الشرق الأوسط بمعهد أبحاث السياسة الخارجية، إنّ قلق أردوغان المستمر حيال عودة طائرات مارقة تقوم بتعقّبه أو غيره من القادة الأتراك في المستقبل هو ما دفع بصفقة الصواريخ المضادة للطائرات إلى الأمام.

وقال (إن ما قام به أردوغان في تلك الليلة كان معجزة، مقارنة بالوضع قبل منتصف الليل، لذا أعتقد بأنّه بات ينظر إلى الدفاع الجوي بطريقة مختلفة كما كان عليه قبل 15 تموز 2016).

بالإضافة إلى أنّه يمكن لـ S – 400 أنّ تساعد في سدّ فجوة الدفاع الجوي لتركيا بعد أن تم تصفية أكثر من 300 طيّار فور محاولة الانقلاب، وتلك التصفية كانت جزءا من عملية تطهير أكبر لعشرات الآلاف من الأفراد العسكريين المشتبه بهم وبصلتهم بالانقلاب، وهذا جعل تركيا تعاني من نقص في عدد طيّاريها، وقد دفعت تركيا لروسيا حوالي 2 ونصف مليار دولار، وكما انّ من المتوقع أن يتم تدريب نحو 80 شخصية عسكرية تركية في موسكو على كيفية تشغيل المنظومة في الأشهر المقبلة.

ولكن تركيا بذلك تخاطر بحصتها في برنامج الطائرات المقاتلة التابع لحلف الناتو، وقال مسؤولون أتراك أن تركيا استثمرت نحو 1,2 مليار دولار للمساعدة في تطوير الطائرة، والتي تشمل على أجزاء يتم تصنيعها حاليا في المصانع التركية فقط.

ولكن البنتاغون وكرد على صفقة الصواريخ الروسية علّقت تدريب الطيارين الأتراك على الطائرة الشبح، وكما انّها أجلت تسليم الدفعة الأولى منها إلى تركيا لهذا العام.

وتعتبر تركيا مشاركا دوريا منتظما في تدريبات الدفاع الجوي في الناتو، حيث قال البنتاغون إن تحليق طائرات F – 35 في المجال الجوي التركي مع وجود منظومة S – 400  لروسيا بجمع بيانات الرادار على الطائرة الأمر الذي سيقلل من قدرتها على التخفّي في حرب حقيقية.

وقد عرضت تركيا تشكيل مجموعة عمل فنية للتأكد من عدم حدوث ذلك، إلا أنّ البنتاغون لم يوافق على ذلك، وكانت تركيا قد انضمت إلى الحلف في عام 1952، والتي لعبت دورا بارزا في الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو.

وشكلت القوات التركية ثاني أكبر جيش في الحلف بعد الولايات المتحدة، وكان هناك حوالي 500 رأس نووي أمريكي في البلاد وكانت قاعدة مرتد العسكرية واحدة من المنشآت التي تحتوي على وحدات تخزين للقنابل النووية الأمريكية B 61 وقد تم إزالتها في منتصف التسعينات ولا تزال هناك قاعدة جوية واحدة أخرى على الأقل في تركيا تحتوي على مجموعة من الأسلحة.

وقال شتاين (لقد وفرت تركيا الموقع الجغرافي للولايات المتحدة وذلك في مواجهة الاتحاد السوفييتي).

ولكن ذلك تغيّر مع انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991. وقال شتاين (إنّه مع وجود مجموعة من الدول الأخرى التي تحيط بروسيا الآن  وجاهزة للانضمام إلى الناتو، لم يعد موقع تركيا الجغرافي مهما).

واستخدمت واشنطن القواعد الجوية التركية في الحرب بما في ذلك القتال في سوريا، وانتهى الأمر بتسليح الكرد الذين تقاتلهم تركيا.

وفشلت واشنطن وتركيا في الاتفاق على شراء صواريخ باتريوت ومع حلول العام 2015 قامت كل من الولايات المتحدة وألمانيا بسحب أنظمة الباتريوت الخاصة بها من تركيا، على الرغم من تحذير أردوغان من تزايد الهجمات الروسية والسورية عبر الحدود.

وفي تشرين الثاني من العام 2015، أسقطت تركيا طائرة روسية من طراز SU – 24 حيث قالت تركيا بأنّها عبرت حدودها، وشعر المسؤولون الأتراك وقتها بأنّ رد فعل حلفائها في الناتو كان فاترا في هذه الحادثة.

وأقنعت محاولة الانقلاب في العام 2016 الرئيس أردوغان بأن حلف الناتو لم يعد يعتمد عليه، حيث لم يقتصر الأمر على مغادرة تركيا دون مضادات جوية ليلة الإنقلاب بل كذلك رفض الولايات المتحدة أن تسلمها العقل المدبر المفترض للانقلاب فتح الله غولن.

وفي هذه الأثناء كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أوائل الداعمين للرئيس أردوغان بعد تموز 2016، ومنذ ذلك الحين بدأ التعاون الروسي التركي عن قرب في سوريا، وتبني موسكو أول محطة للطاقة النووية في تركيا.

ملاحظة: المقالة نشرت في 13 تموز، وقد حصلت تطورات في هذه الأثناء ففي 17 تموز تم اتخاذ قرار أمريكي يقضي بأنّها لن تبيع تركيا مقاتلات “F 35″؛ بعد شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية “S- 400”.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى