أخبارتقارير

الكرد والعرب في شمال شرق سوريا صراع على السلطة أم تشارك لها؟

آمي أوستن هولمز، فلاديمير فان ويلغنبرغ، لـ مجلة ناشيونال إنترست 11 آب 2019

عن الإنكليزية: سوز حج يونس

يقوم هذا التقرير الذي أعدّته كلّ من هولمز وويلغنبرغ على صياغة بعض الأمور/ الحقائق من وجهة نظر مختلفة وبالضد مما نُشر في معهد كارنيغي تحت عنوان (الصراع الكردي-العربي على النفوذ في شمال شرق سورية) وهو تقرير أعدّته إليزابيث تسوركوف وعصام الحسن، يتحدّث تقرير كارنيغي عن (محاولة القيادة الكردية التمسك بمعقلها في شمال شرق سوريا، لكن التوازن بين المصالح الكردية والمطالب العربية أصبح عقبة رئيسية).

إنّ انتصار قوات سوريا الديمقراطية على خلافة تنظيم الدولة في آذار 2019، جعل من قوات سوريا الديمقراطية المسيطر الفعلي على ثلث مساحة سوريا، بما يبلغ نحو 20.698 ميل مربع من شمال وشرق سوريا، وهي مساحة كبيرة تساوي مساحة فيرجينيا أو ثلاثة أضعاف الكويت، ويعيش في هذه المنطقة نحو 5 ملايين شخص يعيشون هناك من بينهم العرب والكرد والسريان والآشوريون والكلدان ويعيش بها المسلمون والمسيحيون واليزيديون، لكن إعادة بناء هذه المنطقة المتنوعة والمعقّدة تبدو أكثر صعوبة حتى من هزيمة تنظيم داعش نفسه.

التحديات كثيرة، حيث يستمر الأسد في رفض تقديم أية تنازلات في هذه المنطقة، على الرغم من أنّ قواته فقدت السيطرة على الشمال السوري، كما أن أردوغان لا يزال يهدّد بغزو هذه المنطقة، وكما أنّ الخلايا النائمة التابعة لتنظيم داعش مستمرة في تنفيذ هجماتها بشكل منتظم، وترفض العديد من بلدان العالم استعادة مواطنيها الذين انضموا طوعا إلى تنظيم داعش، مما أجبر الإدارة الذاتية على تحمل مسؤولية إيواء وإطعام الآلاف من المقاتلين الأجانب في تنظيم داعش والمحتجزين لدى الإدارة الذاتية إلى أجل غير مسمّى.

 وبالنظر إلى حجم هذه التحدّيات وصعوبة الموقف، فإنّ من الأهمية بمكان تقييم سياسة الولايات المتحدة بعناية في هذه اللحظة الفاصلة.

و مؤخرا بدأ بعض المحلّلين بالتساؤل عما إذا كانت الإدارة الذاتية قادرة على الحكم بفعالية، ففي مقال بعنوان (الصراع الكردي-العربي على النفوذ في شمال شرق سوريا) أكد كلّ من إليزابيث تسوركوف وعصام الحسن أنّ الكرد ليسوا على استعداد لتقاسم السلطة مع نظرائهم العرب، وأنّ قوات سوريا الديمقراطية ليست قادرة على فهم الطابع والسياسة القبلية، وأنّها إدارة تفتقر إلى المهنيين من ذوي الخبرة، في حين أنّها تعجّ بالكوادر ذوي الخلفية الأيديولوجية.

واستنادا إلى بحثنا المكثف في شمال وشرق سوريا، فإنّنا نعتقد بأنّ هذه التأكيدات هي في أحسن الأحوال فهم سطحي للواقع على الأرض، وفي أسوء الأحوال يمكن أن تؤجج توترات محتملة أكثر من تقديمها لتحليلات منصفة، وفي النهاية توصي تسوركوف والحسن بأن يستخدم التحالف الدولي المؤلف من 79 دولة نفوذه من أجل الدفع باتجاه (لامركزية حقيقية/ إدارة ذاتية) ونحن أيضا نتفق بأنّ على التحالف أن يزيد دعمه للإدارة الذاتية وذلك بتقديم مساعدة فاعلة.

تستخدم تسوركوف والحسن مصادر لم يقوما بتسميتها للادعاء بأنّ بعضا من قادة قوات سوريا الديمقراطية يعتقدون بأنّ  العرب (قبليون جدا، وبأنّ هناك قابلية أكبر لحدوث نزاع داخلي بينهم، وأنّهم ليست لديهم مبادئ وغير جديرون بالثقة).

يقولون ذلك رغم أنّ العرب والكرد والمسيحيين حاربوا جنبا إلى جنب مع قوات سوريا الديمقراطية لهزيمة تنظيم داعش، حيث قتل 11 ألفا من قوات سوريا الديمقراطية في هذه الحرب، ودفنوا جنبا إلى جنب في مختلف أنحاء هذه المنطقة، وقد تعاونت وحدات حماية الشعب YPG مع العرب طوال فترة النزاع، وبدأت وحدات الحماية بتجنيد العرب في صفوفها بنشاط منذ أواخر العام 2012، خلال المعارك التي شنتها للسيطرة على مدينة سري كانيه/ رأس العين على الحدود السورية التركية.

وهذه الجهة (YPG) كانت قد أعلنت حتى قبل سنوات من إنشاء قوات سوريا الديمقراطية في تشرين الأول من العام 2015، كما واصل العرب الانضمام إلى صفوف قوات سوريا الديمقراطية حتى بعد هزيمة الخلافة في آذار/ مارس وحاليا ما لا يقل عن نصف قوات سوريا الديمقراطية من العرب.

وهناك عدد من قادة المناطق أيضا من العرب، رغم أنّ كبار قادة قوات سوريا الديمقراطية لا يزالون من الكرد، وهذا نتيجة أنّ الكرد كانوا من أوائل من بادر إلى قيادة المعارك ضد تنظيم داعش، وفعليا هناك نقص في القيادات المحلية وهذه المشكلة تحاول قوات سوريا الديمقراطية حلّها من خلال إنشاء أكاديميات للتدريب العسكري.

القائد الحالي لمجلس دير الزور العسكري هو أبو خولة وهو عربي ويقود نحو 4000 مقاتل، بينما قائد المنطقة الشرقية برمتها هو جيا فرات وهو كردي، بالإضافة إلى أنّ جميع القادة وقادة الكتائب في دير الزور هم من العرب رغم وجود قادة كرد مرافقين لهم.

الحساسية بين الكرد والعرب

على عكس ما يدّعي الكاتبان فقد كان القادة الكرد دوما متجاوبين مع المخاوف العربية، فقد تم تغيير اسم كيان الحكم برمته في كانون الأول 2016 حيث تم إسقاط المصطلح الكردي روجافا لصالح شمال سوريا، وهذا الأمر أغضب الكثيرين من القوميين الكرد.

بالإضافة إلى السماح ببقاء المستوطنين العرب أو ما يعرفون بـ (المغموريين) الذين تم استقدامهم من قبل حزب البعث إلى محافظة الحسكة في فترة السبعينات. وفي العام 2018 تم إلغاء النظام الفيدرالي وتم نقل المركز الإداري أو العاصمة الإدارية من القامشلي إلى مدينة عين عيسى العربية والشعار الرسمي للإدارة هي باللغات العربية والكردية والسريانية.

والمباني الهامة تحرسها قوات الأمن العربية إلى جانب الكرد، وكان هذا أيضا أحد أسباب استخدام الإدارة الذاتية لمناهج معدّلة دون أيديولوجية بعثية، الشيء نفسه قامت به المعارضة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، حيث عدّلت المناهج البعثية السورية.

فإذا كان الكرد لا يثقون بالعرب كما يدعي الكاتبان، فلماذا نقلوا المركز الإداري إلى مدينة عربية، وقاموا بتجنيد الكثير من العرب في قوات سوريا الديمقراطية واستخدموا قوات الأمن العربية لحراسة المباني والمرافق الحيوية حتى في المدن ذات الغالبية الكردية؟

وعلى العكس نجد أنّ المعارضة السورية في الخارج ترفض حتى اليوم إسقاط كلمة “عربية” من الجمهورية العربية السورية، وبالتالي تتبنى الأيديولوجية البعثية التي لا تهمش فقط بل تنكر وجود غير العرب داخل سوريا.

السياسة القبلية

يتهم زعيم قبلي مجهول الهوية ورد ذكره في تقرير الكاتبين قوات سوريا الديمقراطية بعدم فهم الطابع القبلي لدير الزور، إلا أنّ الدكتور حيّان دخان يجادل بالقول إنّ قوات سوريا الديمقراطية كانت الأكثر نجاحا من ناحية التعامل مع القبائل مقارنة مع تركيا والحكومة السورية.

ففي الثالث من أيار الماضي 2019 نظّم مجلس سوريا الديمقراطية ملتقى حضره خمسة آلاف شخص من ستين قبيلة سورية، وكما أننا نجد أنّه وحتى قبل إنشاء قوات سوريا الديمقراطية عملت قوات وحدات حماية الشعب جنبا إلى جنب مع قبائل الشمر، الجبور، العمصايل، والشرابية، منذ اوائل العام 2013 كما يتألف مجلس دير الزور العسكري من مقاتلين معظمهم من قبيلة الشعيطات.

على مدار العقود الماضية تعرّض الكرد السوريون لمختلف أشكال العقاب الجماعي، حيث قام الرئيس حافظ الأسد بتجريد آلاف الكرد من جنسيتهم، كما أصدر تنظيم داعش  فتوى تجبر جميع الكرد على إخلاء الرقة، بحجة أنّ وحدات حماية الشعب YPG تتعامل مع التحالف، وكما أجبرت تركيا بالقوة المواطنين الكرد على الخروج من منازلهم في عفرين.

ورغم هذا التاريخ من العقاب الجماعي إلا أنّ الكرد يرفضون الانخراط في أعمال انتقامية أو ممارسة العقاب الجماعي بحق الآخرين، وكما ترفض قوات سوريا الديمقراطية السماح للقبائل العربية في دير الزور بأن تعاقب بعضها بعضا بشكل جماعي بتهمة التعاون مع داعش، وكان هذا هو السبب الذي دفع بقوات سوريا الديمقراطية إلى استبعاد مقاتلي قبيلة الشعيطات في الأشهر الأخيرة من عملية الباغوز، حيث قتل تنظيم داعش المئات من أفراد هذه القبيلة في العام 2014.

الكوادر

إنّ دور كوادر حزب العمال الكردستاني PKK والذي يتحدث عنه التقرير مبالغ فيه أيضا. فمنذ العام 2011 تولّت كوادر حزب PYD عملية إنشاء الإدارة الذاتية المحلية، والكثير منهم كانوا سوريين محلّيين لم يتدربوا في قنديل، ولم يشاركوا مطلقا في حرب الكريلا، وقد تم افتتاح أكاديميات جديدة لتدريب ما يسمونه “الكوادر المحلية” وإنّ نظام الكومين لا تقوده كوادر فقط، بل كذلك المواطنون الكرد والعرب المحليون المتعاطفون مع النظام الجديد، ويضمّ المجلس التشريعي لدير الزور وحده ثلاثمائة عضوا ليسوا كردا، وجميعهم من دير الزور ويتم اختيارهم من قبل القبائل المحلية، وقد تم تشكيل المجلس في مؤتمر عام بعد أشهر من الاجتماعات بين المجتمعات المحلية في المنطقة، بما في ذلك الاتحادان القبليان المحليان الرئيسيان “البكارة” في الغرب و”العكيدات” في الشرق.

كلّ هذا في وقت تستمر فيه العمليات العسكرية المكثّفة ضدّ آخر معاقل داعش، وعلى الرغم من أنّ الكاتبين الحسن وتسوركوف يوردان أمثلة عن كوادر خارجية ليسوا على دراية بالمنطقة، إلا أنّه وبالمقابل هناك العديد من الأمثلة عن كوادر محلية نجحت في لعب دور الوسيط في النزاعات، فمثلا في حزيران 2019 كان هناك اشتباك استمر لأكثر من 36 ساعة بين عشائر البوجميل والبوفريو وهذا النزاع لم يتم حله إلا بعد تدخل القبائل وقوات سوريا الديمقراطية.

وعندما قامت فصائل المعارضة السورية دير الزور فإنّها لم تكن قادرة على منع الفصائل الجهادية المتناحرة من السيطرة على أجزاء كبيرة من المحافظة، ومن دون وجود قوات سوريا الديمقراطية هناك خطر كبير وحقيقي من عودة الفصائل المتشددة مثل هيئة تحرير الشام وداعش.

ففي إدلب لم تتمكن فصائل المعارضة من مقاومة هيئة تحرير الشام، وكما انّه وفي المناطق الخاضعة لسيطرة تركيا غالبا ما كانت تركيا غير قادرة على وقف الاقتتال الداخلي بين المتمرّدين، ففي مدينة الباب مثلا نشب قتال بين أحرار الشرقية وهو فصيل من دير الزور والفصائل الأخرى العام الماضي.

وفي آب 2017 هدّدت هذه المجموعة الجنود الأمريكيين، وإنّ إحضار مثل هذه المجموعات إلى دير الزور لن يؤدي إلى الاستقرار، وبالنظر إلى عدد الفصائل المتنافسة على الأرض، ويعتبر وجود بنية قيادية مركزية أمرا هاما، وهذا ما حافظت عليه قوات سوريا الديمقراطية حتى مع توسيع هذه القوات وتكييفها مع الظروف المحلية.

التعليم

يناقش الكاتبان كيف أنّ المتعلمين والمهنيين يرفضون الانضمام إلى الإدارة الذاتية لأسباب سياسية، وهم لا يذكرون الحافز الاقتصادي مثل الفرق في الرواتب الذي قد يكون سببا أيضا، فعلى الرغم من أن الرواتب التي تقدّمها الإدارة الذاتية أفضل من تلك التي يقدمها النظام السوري أو تركيا في نفس القطاعات، إلا أنّ الكثيرين منهم يفضل العمل لدى المنظمات غير الحكومية أو القطاع الخاص.

لأن الرواتب فيها أعلى، فعلى سبيل المثال يكسب موظفو الإدارة الذاتية ما بين 100 إلى 350 دولارا شهريا، بينما تدفع المنظمات غير الحكومية ما بين 500 إلى 2100 دولارا شهريا، ورغم كلّ هذه التحديات إلا أنّ الإدارة الذاتية تضمّ العديد من الأشخاص من ذوي الخبرات والحاصلين على شهادات جامعية، فمثلا يرأس المجلس المدني في دير الزور الدكتور غسان اليوسف والحاصل على الدكتوراه في الاقتصاد وليلى حسن الحاصلة على شهادة في الأدب العربي، وخلال زيارة إلى دير الزور في آذار التقينا بعدد من أعضاء الإدارة الذاتية، وكما زرنا مستشفى مع الدكتور حسام العلي الذي يعمل مع الإدارة الذاتية كرئيس للخدمات الصحية والطبية.

وكما قمنا بزيارة مدرسة هناك مع كمال موسى رئيس هيئة التعليم وكان من الصعب عدم التأثر بكفاءتهم وتصميمهم على إعادة بناء مدارسهم ومشافيهم على الرغم من التهديدات المستمرة والمساعدات الخارجية القلية، ومن بين الأعضاء الآخرين في المجلس المدني لدير الزور كان هناك طارق راشد رئيس الشؤون الإنسانية، وسعيد السعيد رئيس لجنة العدل وكلاهما محام وجهاد اللجي رئيس الخدمات البلدية وهو مهندس مدني، إنهم يعملون مع الإدارة الذاتية رغم تهديدات القتل من داعش ودمشق وتركيا، وباختصار يمكننا القول بأنّ الإدعاء بأنّ الإدارة الذاتية لا تضم مهنيين متعلّمين هو ادعاء غير دقيق.

ملاحظات ختامية

إنّ الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا هي عمل مستمر خاصة في المناطق المحرّرة الحديثة مثل دير الزور والتي عانت لسنوات تحت حكم داعش، وإذا أرادت الولايات المتحدة ضمان الهزيمة الدائمة لتنظيم الدولة ينبغي لها أن تشجع دول التحالف الدولي على زيادة الدعم المالي والسياسي لتحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار.

فالتحالف نفسه أقر بأنّ تنظيم الدولة داعش يحاول زيادة (التجنيد من خلال استغلال السخط الشعبي من نقص البنية التحتية في المناطق التي دمرتها الحرب).

وينبغي أن يشمل هذا الاستثمار في البنية التحتية التعليمية والمدنية في المنطقة، والعمل على محو الأمية كجزء من تدريب قوات سوريا الديمقراطية والتشجيع على الترقية القائمة على الكفاءة بالنسبة للضباط الذين يتخرجون من الأكاديميات العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية.

وكما ينبغي على مسؤولي الولايات المتحدة والتحالف أن يعملوا على زيادة الضغط على تركيا والعراق لفتح الحدود لتسليم المساعدات الإنسانية بما فيها اللوازم المدرسية حتى تكون جميع المدارس مجهزة تجهيزا كاملا لبداية العام الدراسي الجديد، ويجب أن يكون الهدف الرئيسي هو جعل مجتمعات شمال وشرق سوريا قادرة على الصمود أمام أيّ ظهور جديد محتمل لتنظيم داعش، وهذا الأمر يحتاج ويتطلّب قوات أمن احترافية وفعّالة والولايات المتحدة هنا أمام فرصة فريدة لتؤثر بشكل إيجابي على التنمية البشرية في المنطقة،إذا لقد حان وقت العمل.  


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق