الشريط الإخباريتقارير

روج آفا.. الانتقال من الثورة إلى البناء والتغيير

ولاتي نيوز- سعيد قاسم

يبدو أن مشروع المنطقة الآمنة، أو الآلية الأمنية المزمغ تنفيذها تمثل انتقالاً ليس على المستوى السياسي والعسكري فحسب وإنما على المستوى الوجودي والثقافي أيضا وبوجه خاص بالنسبة لمؤيدي الاتحاد الديمقراطي، الذين بذلوا الكثير من الجهد والدماء في سبيل مشروع “روج آفا”.

مصطلح “روج آفا” ارتبط بمفاهيم ودلالات الثورة والشهادة. كانت لها خصوصيتها خلال الأزمة السورية، وسلك أصحاب هذا المشروع خطّاً ثالثاً، بمعزل عن الصراع الدائر بين النظام السوري والمعارضة المسلحة، وإن كانت مسافة البعد لصالح النظام أكثر من المعارضة في أكثر من ميدان وبوجه خاص في حلب وريفها الشمالي والغربي، بالنظر إلى اشتباك مصالح أصحاب مشروع روج افا مع المعارضة السورية نظرا للتناقض الايديولوجي بين الفكر الأممي الذي استندت عليه مقابل معارضة تبنت الفكر الجهادي المتشدد.

روج آفا؛ كمفهوم وكثورة كما يحب أن يسميها أنصارها مثّلت في بدايتها انزياح شريحة مجتمعية من الكرد عن السائد في الوقت الذي كان جزءٌ كبير من الشارع الكردي منحازا الى المجلس الوطني الكردي الذي كان بدوره منخرطا ضمن قوى الثورة السورية، ولكن مع مرور الزمن تراجع دور المجلس الوطني الكردي في الشارع السياسي وبدأ الميل لصالح مشروع روج آفا، ومثل أصحاب مشروع روج افا في مرحلة تالية انطلاقة جديدة وخصوصية كردية في الوقت عينه، حيث اتسمت بطابعها الكردي الخاص، وامتزجت فيها الافكار القومية والماركسية، واتسمت بأبعادها الكردستانية ضمن سياق الاختلاف مع قوى كردستانية أو الاتفاق أو الاصطفاف معها، كما كان لها مؤسساتها الخاصة “وحدات حماية الشعب، وحدات حماية المرأة، مؤسسة عوائل الشهداء..”، بمعنى أنها كانت ثورة كردية وأسست لوجود دور سياسي كردي على مستوى سوريا من بوابة تأسيس قوة عسكرية، كما كان لهذه الثورة خطابها، وفلسفتها الخاصة المبنية على المقاومة والشهادة والمرتبطة عضويا مع الثورات الكردية عموما وبوجه خاص ثورات الشعب الكردي في شمال كردستان.
واتسمت هذه المرحلة بالانسياق وراء العاطفة، وتخوين الآخر المختلف، ومع انهيار الهيئة الكردية العليا بعد تجربة غير ناجحة في تأسيس ادارة مشتركة، وفشل جميع المبادرات الكردستانية للتوفيق بين الفصيلين الكرديين، مضى كل منهما في مشروعه الخاص، ومارس كل منهما منهجا انتقاميا تجاه الاخر، المجلس الوطني الكردي باتهامه وحدات حماية الشعب بالارهاب والادارة الذاتية بقيامها باعتقال أعضاء المجلس الوطني الكردي .

ثورة “روج آفا” تركت إرثا كبيرا من الضحايا ورافقها الكثير من الجدل، وخلقت ردود أفعال وصلت إلى تبني البعض أفكار شوفينية لجهة رفض الوجود الكردي في سوريا، وحقّقت المرأة فيها مكانة كبيرة، وتأسست مؤسسات ومنظمات مدنية شجعت المرأة على إيجاد دورها في السياقين المدني والعسكري، كما إنها تركت بعض الندب والسلبيات مثلها مثل الثورات القائمة على الشمولية والمفاهيم ذات الأبعاد العاطفية مثل الشجاعة والخيانة والشهادة والبطولة، وتسلّق الكثير من الانتهازيين والمرتزقة على ظهر هذه الثورة وحققوا إنجازات وأسسوا شبكات للفساد.

ثورة “روج آفا” أسست واقعا جديدا، وجعلت من الكرد رقما في معادلة الحل السياسي على مستوى البلاد، وتحول الكرد خلال سنوات قليلة من مجتمع مهمش إلى قائد لمشروع أمريكي- أوربي في مواجهة الإرهاب، وتجلّى المشروع أكثر من خلال رسم ملامح كيان جديد في شرق الفرات يقوده مجلس سوريا الديمقراطية، وضحّى الكرد مرة أخرى بأحلامهم القومية في سبيل الحفاظ على الأمن والاستقرار حين تخلوا عن كلمة روج افا في أدبياتهم السياسية كما تخلوا في وقت لاحق عن مركزية الادارة الذاتية الكردية وجعلوها جزءً من ادارة أممية مركزها عين عيسى.

ثم جاء مشروع المنطقة الآمنة، أو الآلية الأمنية التي فرضتها الولايات المتحدة لتجنب أي تماس كردي- تركي، وهذه الآلية القائمة في جوهرها على ابعاد الجانب العسكري من ثورة وج افا في المناطق الكردية، وانتفاء الجانب العسكري في المنطقة الكردية ترك معطًى قد يغيّر أمورا كثيرا على أرض الواقع، إذ إن غياب الجانب العسكري في المنطقة الكردية يعني أن ثورة روج افا ستخوض امتحانا ربما يكون اصعب، وستكون نهاية رجل شجاع وبداية ظهور رجل الحكمة والسياسة، وهذا التغيّر إن لم يجلب معه اعترافا رسميا بالإدارة الذاتية والواقع القائم في شرق الفرات سيصعّب كثيرا من عملية الانتقال من الرجل الشجاع الى الرجل الحكيم، وسيترتب على ذلك دخول روج افا وشرق الفرات في أزمات بينية، كون الادارة القائمة لا تزال تلعب في ميادين صغيرة وتعتمد على الميزانية العسكرية في تقديم خدمات محدودة للمواطنين الواقعين في حكمها.
من جهة أخرى يبدو المفهوم الأمريكي للمنطقة الآمنة أبعد من الصراع الكردي- التركي، أو الصراع التركي ضد ما تسميه بأنه امتداد لحزب العمال الكردستاني، ويقضي المفهوم الأمريكي بنزع فتيل الصراعات، وتأسيس واقع جديد، يتشارك فيه الجميع، وغير محكوم بإرث ثقافي وفكري ما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى