الشريط الإخباريتقارير

صحيفة واشنطن إيكسامينر: هل ينبغي أن نثق بتركيا فيما يخص المنطقة الآمنة في سوريا؟ التاريخ يقول: لا!

الكاتب: ميشيل روبن، لصحيفة: واشنطن إيكسامينر، بتاريخ: 26 آب 2019

عن الإنكليزية: سوز حج يونس

إنّها خديعة تنطلي على وزارة الخارجية الأمريكية باستمرار، حيث يتظاهر الخصوم بالمظلومية، بغرض الحصول على تنازلات.

وإنّها حقّا لاستراتيجية أتقنتها تركيا، فعوض أن يتم محاسبتها لدعمها الجماعات التابعة للقاعدة في سوريا، وغضّها الطرف عن تدفق المقاتلين الأجانب عبر حدودها، واستفادة أسرة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من تجارة النفط مع الدولة الإسلامية، نجد أنّ الدبلوماسيين الأمريكيين يتعاملون بسذاجة مع المخاوف التركية، فيما يخصّ “الإرهاب الكردي” الناشئ في سوريا، بغضّ النظر عن أنّ تركيا لم تتمكن من تقديم أيّة معلومات استخباراتية عما تسمّيه بـ “الإرهاب الكردي” الناشئ عن الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا.

ومع ذلك فقد أذعن المبعوث الأمريكي الخاص جيمس جيفري وفريقه، للتهديد التركي ووافقوا مبدئيا على طلب تركيا بإنشاء منطقة آمنة، رغم أنّ التفاصيل حول هذه المنطقة لا تزال غير واضحة. إنّ الكرد الذين يسيطرون اليوم على أكثر مناطق سوريا تمتّعا بالسلم والأمان، لا يصدّقون المحاورين الأمريكيين عندما يقولون بأنّ القوات التركية التي ستدخل مناطقهم، سوف تلتزم بخطوط حمراء تم التفاوض عليها بشكل مفصّل.

أولا هناك سابقة للأتراك في منطقة عفرين، وهي منطقة في سوريا دخلها الجيش التركي، وشرع في تطهيرها عرقيا، وجرف حتى المقابر، وهدم التماثيل، وألزم النساء بالحجاب واستخدمت فيها الأسماء العربية، وإنّ مثل هذه التصرفات التي تنتهجها الحكومة التركية لسنوات هي القاعدة هنا وليست مجرد استثناء.

ففي العراق وبعد مرور عامين ونصف العام من قيام تركيا بمشاركة قوة السلام التي تقودها باحتلال مواقع رئيسية في شمال العراق، والتي قدّمت بطلب من أطراف النزاع، قام دبلوماسيون بإلغاء اتفاق حول التواجد التركي، والإقرار بإنهاء الاحتلال التركي في بعشيقة في شمال العراق، ولكنه وبعد مرور وقت طويل اتفقت أطراف النزاع على إحلال السلام، وطلبت من القوة التركية المغادرة، إلا أن القوة التركية لا تزال موجودة هناك.

يمكننا القول ببساطة أنّ المشكلة لا تكمن في تركيا، بل في عنصرية قيادتها تجاه التعبير الثقافي الكردي، والتطلّعات السياسيّة الكردية، والدافع الإمبراطوري لدى أردوغان، إنّها السلوك الذي تنتهجه تركيا في دبلوماسيتها.

 وبالنظر إلى الجهود التركية للتوسّط في النزاع الصومالي، حيث أنّه في العام 1991 انسحبت (أرض الصومال) البريطانية السابقة من اتحادها مع الصومال، وأعادت تأكيد استقلالها، إلا أنّ هذه الخطوة لم تنل اعتراف الحكومة الصومالية في مقديشو.

وأصبحت مقديشو في السنوات الأخيرة عميلة لتركيا، إن لم نقل مستعمرة، إلا أنّ تركيا بالمقابل احتفظت بقنصلية أخرى لها في (أرض الصومال) وعاصمتها هرجيسا، وسخرت نفسها للتوسط في النزاع الداخلي الصومالي، إلا أنّ قبول الوساطة التركية كان خطأ، بسبب سوء نوايا تركية المتكررة، ففي شباط الماضي تظاهر الدبلوماسيون الأتراك بالتوسط بين الصومال و(أرض الصومال)، حيث قامت تركيا بتوزيع المساعدات على أجزاء من (أرض الصومال)، وكانت حكومة مقديشو قد طالبت بأن تكون هذه المساعدات مختومة بالعلم التركي وكذلك بعلم حكومة الصومال، هذا الأمر أعطى إشارة إلى أن هذه المساعدات يمكن أن تلعب دورا في تقويض دولة (أرض الصومال) وكذلك دعم للمتمردين المدعومين من مقديشو.

ويبدو أنّ مشكلة تركيا هنا أنّه وفي حين أنّ الصومال يراعي رغبة تركيا في تعزيز التطرّف الديني، فإنّ (أرض الصومال) تبقى معتدلة إلى حدّ كبير ومؤيدة للغرب أكثر من حيث وجهة النظر، وهذا هو السبب اليوم وراء سعي (أرض الصومال) للحصول على وساطة أوسع تشمل الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهم من الشركاء الأوروبيين والأفارقة، بدل الاعتماد على تركيا وحدها.

وفي مسألة التحليق في المجال الجوي أيضا؛ أي عندما تدخل طائرات، المجال الجوي لبلد آخر، هناك مدفوعات مستحقة وكذلك تنسيق ضروري فيما يتعلق بمراقبة الحركة الجوية، حيث توسّط الدبلوماسيون الأتراك مجددا بين مقديشو وهرجيسا في موضوع التحليق في المجال الجوي الذي يعتبر ذا أهمية كبيرة فيما يخص كيفية استخدام شركات النقل التجارية الكبرى من أثيوبيا والإمارات العربية وجيبوتي في مطار هرجيسا عاصمة (أرض الصومال).

وبالرغم من الوساطة التركية بين مقديشو وهرجيسا، إلا أنّ الحكومة الصومالية في مقديشو ألغت كامل الاتفاقات وأعلنت سلطتها الكاملة على المجال الجوي لـ (أرض الصومال)، وعندما اشتكى مسؤولو أرض الصومال للوسطاء الأتراك، غيّرت وزارة الخارجية التركية موقفها، وقالت بأنّهم مجرد وسطاء وليسوا ضامنين للاتفاق.

كما اشتبه مسؤولون في هرجيسا بوجود طائرات تقوم بإيصال الإمدادات للمتطرفين الذين يتعاطف معهم الرئيس التركي أردوغان؛ أي بمعنى آخر أنّ تركيا رفضت الالتزام بالاتفاقيات التي تفاوض عليها دبلوماسيوها، وهذا الأمر يعتبر خيانة للأمانة وله تداعيات.

قد تعتقد إدارة ترامب بأنّ مطالب تركيا مشروعة، وأنّ هناك حاجة لفتح باب دبلوماسي لوجود تركي أكبر في شمال سوريا، وكما قد يعتقد المسؤول الخاص جيمس جيفري بأنّ تركيا ستلتزم بتعهداتها الدبلوماسية التي تفاوضت عليها، إلا أنّ السلوك التركي المتبع في سوريا والعراق والصومال يقول عكس ذلك.

إنّ أنقرة ليست لديها أية نية للالتزام بالاتفاقات، وأيّ التزام قد تبديه بشأن عدم المساس بالإدارة الذاتية الكردية، أو ما يخصّ الامتناع عن سياسة التطهير العرقي، أو منع تسلل المتطرفين الإسلاميين، أو المقاتلين الأجانب عبر حدودها، هو بلا معنى.

وإنّ أيّ فهم معمّق للسلوك الدبلوماسي التركي اليوم، سوف يُشير إلى أنّ الاتفاق الأمريكي على ما يسمى المنطقة الآمنة، ليس سوى تبرير لاحتلال تركي دائم، وتطهير عرقي وطائفي ضدّ السكان الكرد والمسيحيين واليزيديين في هذه المنطقة، وهذا ليس أخلاقيا ليس من وجهة نظر إنسانية فقط، بل تعتبر هذه السياسة سيئة حتى من وجهة النظر الأمنية، وذلك لأنّها تقوّض الاستقرار والاعتدال في المنطقة وكما أنّها تزرع بذور التطرف والإرهاب.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق