الشريط الإخباريتقارير

في ذكرى تأسيس الإدارة الذاتية.. الإصلاح الإداري ضرورة ملحّة

ولاتي نيوز- سعيد قاسم

أحيت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا قبل أيام الذكرى الأولى لتأسيسها، وهذه الإدارة نفسها هي ثمرة تأسيس إدارات ذاتية ومجالس مدنية تأسست تباعا في المناطق التي تم تحريرها في فترات زمنية مختلفة، واختلف ظروف التأسيس لبعضها عن الآخر، فالإدارة الذاتية في إقليم الجزيرة تُعتبر الإدارة الأم لكل الإدارات التي أُسست لاحقا، كما اختلف ضرورة تأسيس إدارة عن الأخرى حسب الحاجة والخدمات التي وفرتها، ولكن في المجمل يمكن القول أن مؤسسات الإدارة الذاتية وفّرت خدمات أو نظمت الأمور الخدمية بالشكل الذي لا يترك مجالا للفوضى، رغم أن التنظيم الجديد ترافق مع وجود سلطات جديدة خلقت نوعا من الاستحكام.

الإدارة الذاتية واجهت منذ تأسيسها قبل خمس سنوات انتقادات من المعارضة (المجلس الوطني الكردي وأحزاب أخرى)، من منطلق أن حركة المجتمع الديمقراطي لا تستطيع بنفسها إدارة المنطقة، وإن أي سلطة إدارية لا يشارك فيها المجلس الوطني الكردي تفتقد إلى الشرعية، وهذه الثقافة لازمت الحراك السياسي الكردي منذ سنوات حيث يعتبر كل حزب كردي أنه الحامل الوحيد للشرعية، ومَن دونه لا يمثل إلا نفسه.

في الضفة المقابلة، كانت الإدارة الذاتية تسعى إلى تطوير نفسها وتستفيد من فشل المؤسسات الحكومية في المناطق التي اتسمت بازدواج السلطة فوسعت صلاحيتها على حساب مؤسسات غير فاعلة، وهذا جرّ عليها انتقادات من شريحة من الموظفين في المؤسسات الحكومية، سيما وإن الادارة الذاتية افتقدت الى الكفاءات العلمية قياسا للكفاءات التي كانت تعمل لصالح النظام، وهذا لم يؤثر في مسألة توفير الخدمات، كون المؤسسات الحكومية لم توفر الخدمات سوى لفئة قليلة، ولكنه خلق المزيد من الجدل حول الأسس التي تعتمد عليها الإدارة الذاتية في تسيير الأمور الخدمية، وتطور الجدل مع عدم توصل كل من النظام ومجلس سوريا الديمقراطية لحلول في حوارات مختلفة أقيمت بينهما.

الظروف التنافسية التي مرّت بها الإدارة الذاتية في بداية نشأتها ولغاية الآن، جعلتها تعتمد على كل شخص يبدي استعداده للعمل معها من منطلق خطاب البناء والتنظيم الذي نادت به حركة المجتمع الديمقراطي، وحاولت من خلاله، تأسيس واقع جديد، ولكن الاعتماد غير المدروس على أشخاص غير مؤهلين علميا أو ليس لهم قبول اجتماعي خلق المزيد من الجدل، وفتح الباب أمام أزمات أخرى مثل الفساد وصرف النفوذ، وبشكل خاص بالنسبة لشريحة حاولت استغلال واقع استثنائي، وهذه الشريحة وجدت طريقها للتغلغل في أغلب مؤسسات الإدارة، وأسست هذه الشريحة شبكات للفساد والسيطرة على مفاصل الحياة مستخدمة شعارات التخوين، و”دماء الشهداء” لدى كل عائق يعترض سبيلها، رغم أن عوائل الشهداء هم أكثر الفئات بعدا عن المكاسب المادية والمناصب الإدارية، ومؤكد من يبذل روحه في سبيل قضية لا ينتظر الثناء المادي.
وشكّلت الكومينات التي يفترض أنها تأسست لخدمة المجتمع عائقا خدميا، كونها استغلت الصلاحيات الممنوحة لها لفرض سلطة جديدة وبالتالي تحوّل الكومين عن وظيفته الخدمية التي تأسس من أجلها إلى وظيفة سلطوية.

ورغم أن الإدارة الذاتية اتخذت قرارات هامة للتوجه نحو حالة إدارية تتسم بالتكنوقراط، من خلال ربط جميع الأمور الخدمية بالمجالس البلدية، واعتمدت الإدارة الذاتية على الكفاءات العلمية في تعيينها، إلا أن هذا التحول يبدو بأنه لم ينضج بعد، ويواجه مصاعب في التخلص من الطابع السياسي التي لازمها في مرحلة التأسيس، وهذا الطابع يتم الحفاظ عليه لغاية الآن كغطاءً يستفيد منه شريحة تحاول الاستئثار بالمكتسبات.

الدول الأوربية والجهات التي يهمها مستقبل الشعب الكردي في سوريا وتتقاطع مصالحها مع مصالحه، تحاول تطوير الإدارة الذاتية للحصول على أكبر قدر ممكن من القبول الجماهيري، وهي استطاعت قطع بعض الأشواط في هذا المسار، ولكن في المقابل لا تزال هناك بعض المشاكل وأهمها وجود شبكات فساد في الإدارة، وهدفها تدمير الإدارة الذاتية من الداخل وهم الفئة التي ناصرت حزب الاتحاد الديمقراطي بالتزامن مع تأسيس الإدارة الذاتية، وهدفت لتحقيق المكاسب الشخصية، واستطاعت تأسيس شبكات فساد تمتد خيوطها خارج حدود مناطق الإدارة الذاتية.
وترى الجهات الدولية، والقوى الكردستانية التي تهمها نجاح تجربة الادارة الذاتية إن الخروج من أزمة التنافسية يمكن أن تكون البداية لتقويم المسار الإداري، من خلال انضمام الأحزاب المعارضة إليها والوصول إلى حل مع دمشق للاعتراف بها رسميا والتخلص من موضوع الازدواج الاداري، وعلى ذلك تأتي الدعوات للتفاوض مع دمشق، وعلى ذلك أيضا جاءت المبادرتان الفرنسية والبريطانية لترتيب البيت الكردي، وهذه الدعوات والمبادرات بالتأكيد ستكون حلولا للمسائل السياسية ولكن الواقع الخدمي والإداري في شمال وشرق سوريا وخاصة في المناطق الكردية بحاجة لسن قوانين تصلح الوضع الإداري وتحدّ من الفساد وصرف النفوذ، وتغليب القوانين المدنية، وهذا إن تحقق فإن النتائج ستكون مكسباً، سيسعى الجميع لأن يكون جزءً منها.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق