الشريط الإخباريتقارير

مخيّم الهول القنبلة وبؤرة العنف الموقوتة

الكاتبة لوسيا لوفلاك، لصحيفة الواشنطن بوست

بتاريخ: 3 أيلول ٢٠١٩، عن الإنكليزية: سوز حج يونس

أخبرت المرأة موّظفي الإغاثة بأنّه كان مجرد حادث، وقالت بأنّ ابنتها البالغة من العمر ١٤ عاما قد انزلقت وسقطت، وأنّه لم يكن هنالك شيء للقيام به، غير أنّ جسد تلك الفتاة روى قصة مختلفة عن رواية الأم، حيث قال الأطباء بأنّ رقبة الفتاة قد كسرت في ثلاثة مواضع، وتوفيت وعيونها مفتوحة، وهي تعضّ على شفتيها، وتناضل لتتنفس، وتُشير الصور والتقارير الطبية إلى أنّها تعرضت للضرب في منطقة الجذع، لقد كانت عملية قتل وليس مجرّد حادثة.

لقد كانت المراهقة فتاة أذربيجانية، عاشت مع والدتها خلال وقت سابق من هذا العام تحت حكم تنظيم الدولة، وقد كانت خائفة من أتباع داعش من النساء المتعصّبات اللواتي قدمن للسيطرة على أجزاء من مخيم النازحين في الهول في شمال شرق سوريا، ووفقا لسكان المخيّم فإنّ الفتاة كانت قد قرّرت إزالة النقاب الأسود.

وبعد مرور عام ونصف على الهزيمة الإقليمية لتنظيم الدولة، بات الزحف الهائل لأنصار التنظيم باتجاه مخيم الهول بمثابة ملجئ للتطرّف، حيث كان هناك نحو ٢٠ ألف امرأة و٥٠ ألف طفل يعيشون في ظلّ الخلافة، وهؤلاء محتجزون اليوم في ظروف قاسية في المخيم الذي يديره ويحرسه نحو ٤٠٠ عنصر من القوات الكردية المدعومة أمريكيا، بالإضافة إلى سجن لرجال التنظيم في مكان آخر، وتعيد النساء داخل أسوار مخيم الهول فرض أحكام الجماعة المتشدّدة، وتقمن بإعادة فرضها على مقيمي المخيم من أساليب الضرب والأساليب الوحشية الأخرى.

وتفرض هؤلاء النسوة  “عهد الخوف” وفقا لما يسمّيه مقيمو المخيم وإداريّوها .

حيث طُعن العديد من الحراس من قبل النساء اللواتي أخفين سكاكين المطبخ تحت جلابيبهنّ، كما أنهنّ يقُمن بتهديد نساء أخريات، إما لأنهنّ على اتصال بمحامين لإخراجهنّ من المخيم، أو لأنهنّ قمن بالتحدث مع أشخاص آخرين من خارج المخيم.

حيث يقول مسؤولون صحيون أنّ امرأة اندونيسية حامل قُتلت بعد أن تحدّثت إلى وسيلة إعلامية غربية، وتُشير صور جسدها إلى أنّها تعرّضت للجلد.

وقال أحد كبار المسؤولين في دائرة الاستخبارات في المخيم: “إنه يحدث في الليل، ويحدث في الظلام، ولكن لا أحد يعلم من فعل ذلك” “إنهم هنا يخافون من بعضهم البعض”.

وفي مقابلات أجريت مع أربعة عشر شخصا على اطّلاع مباشر على ظروف المخيم، وصف هؤلاء الأشخاص الغضب المتصاعد في المخيم، والعنف، والتعصّب المتنامي وسط البؤس، حيث تحدث هؤلاء الأشخاص بمن فيهم مقيمون في المخيم، وعمّال وموظّفو إغاثة، ومسؤولون كرد بشرط عدم الكشف عن هويتهم بسبب المخاوف الأمنية.

حيث يقول مسؤولون أمنيون كرد مرتبطون بقوات سوريا الديمقراطية المتحالفة مع الولايات المتحدة الأمريكية، بأنّ لديهم قوات لحراسة المخيّم ولكنّهم لا يفعلون إلا القليل “يمكننا احتواء النساء، ولكن لا يمكننا السيطرة على أيديولوجيتهن”.

ويقول مسؤول في الاستخبارات في المخيّم: “هناك نماذج عديدة من الأشخاص هنا، غير أنّ بعض النساء كنّ أميرات في تنظيم داعش، والآن هناك أماكن داخل المخيم باتت أشبه بالأكاديمية بالنسبة لهؤلاء النسوة “.

وفي تقرير الشهر الماضي حذّر المفتش العام بوزارة الدفاع مستندا على معلومات من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة داعش، حذّر من أن عجز قوات سوريا الديمقراطية عن توفير أكثر من “الحد الأدنى من الأمن” في المخيم سمح بانتشار أيديولوجية التنظيم ” بلا منازع” هناك.

وفي بعض المناطق يكون الأطفال بمن فيهم نحو ٢٠ ألف طفل ممن ولدوا في ظلّ الخلافة هم بمثابة الأنصار المحتجزين، حيث جمع الحرّاس بالقرب من أحد أبواب المخيم، لعبا على شكل بنادق يدوية الصنع وكذلك أعلام تنظيم الدولة والتي قام الأطفال بصنعها لتمضية الوقت، حيث كانت بنادق اللعب تلك مصنوعة من أنابيب المياه ومربوطة بإحكام بشريط لاصق، وكما أنّ رايات التنظيم تم خطها بتفاصيل دقيقة، اليد التي صنعتها هي يد أنيقة، ولكنّها صبيانية طفولية بشكل لا لبس فيه.

” إنّ الأطفال بحاجة إلى المساعدة هنا” قال مسؤول الاستخبارات “يمكنك أن ترى ذلك” “كيف يمكننا أن نمنعهم من أن يصبحوا كآبائهم”.

إنّ الظروف بائسة في المخيم الذي أقيم إلى جانب التلة الجرداء، ومياه الصرف الصحي تتسرّب إلى المخيم، والسكان يشربون المياه من الخزانات التي تحتوي على الديدان، والكثير من النساء في المخيم لا يعرفن مصير أزواجهن وأبنائهن، بعد احتجازهم  ونقلهم من قبل قوات سوريا الديمقراطية، بعد هزيمة الخلافة، وأصبحوا الآن في مخيمات و سجون مختلفة.

ومنذ بداية العام الحالي كان المخيّم يستوعب أقلّ من عشرة آلاف شخص وبعدها تضخم المخيّم بشكل كبير، حيث تم نقل العديد من النساء والأطفال إلى المخيّم، بعد سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على آخر معاقل التنظيم في قرية باغوز السورية بمساعدة الجيش الأمريكي.

ويتم فصل سكان المخيّم الآن حسب الجنسية، حيث تحوي معظم الأقسام على السوريين والعراقيين، في حين أنّ أكثر من تسعة آلاف آخرين من بينهم أكثر سكان المخيّم تطرّفا، يتم وضعهم خلف أسوار متصلة في رقعة مشمسة وحراسة مشددة، تعرف باسم (الملحق) والذي يحوي عربا وآسيويين وأفارقة وأوروبيين، حيث أنّ الحرّاس يدخلون هذه المنطقة بحذر، حيث نصب كمين أواخر الشهر الماضي لأحدهم والذي خرج بعظام مكسورة.

وقالت امرأة أوربية في العشرينات من عمرها (يمكنهم أن يفعلوا أيّ شيء لك هنا) وقال ثلاثة من سكان المخيّم، أنّه تم إيقافهنّ من قبل نساء لأنّهنّ قمن بتغيير نمط النقاب وإزالته وتغيير الملابس غير المعتادة لنساء التنظيم في المرة الأولى، ثم هددن بمعاقبتها إن تكرّر هذا السلوك.

ووصف قريب امرأة أوربية تم سجنها في ذلك الملحق مع ثلاثة أطفال بأنّها تشعر بالخوف أكثر من أي وقت مضى، وقد غيّرت المرأة الخيمة عدة مرات، بعد أن بدأت مجموعة من التونسيات والأندونيسيات بتهديدها، عندما علمن بأنّ محامي الأسرة كان يحاول إعادتها إلى بلدها.

وقال القريب (إنّهم يهدّدون النساء الأخريات اللاتي إما أجرين مقابلات أو أعلنّ أنهنّ لم يعدن مؤيدات للتنظيم أو يحاولن العودة إلى بلدانهنّ).

وفي مدينة الحسكة القريبة، قال طبيبان إنّ المرضى في المخيّم يرفضن الحضور إلى مواعيد لمتابعة أوضاعهم الصحية سواء في المرافق الصحية التي تديرها السلطات الكردية أو المنظمات الدولية، حيث قال أحدهم (إنهم يقولون لنا لا نستطيع المجيء) ويقولون (إذا جئنا إليك، فإن المتشدّدين سيضربوننا أو سيفعلون بنا ما هو أسوء من ذلك).

وهذا الخطر المتزايد لا يقتصر على مخيم الهول، حيث يصف عمال وموظّفو الإغاثة في مخيّم روج الذي يقع على بعد ساعة بالسيارة، حيث يصف هؤلاء النزاعات المتكرّرة بين مقيمي المخيم من العراقيين وغيرهم من الأجانب، حيث أنّه في إحدى الحالات منعت امرأة عراقية من التواصل مع جيرانها، بعد أن أزالت نقابها، وفي حالة أخرى حاول أطفال مقاتلي داعش دفن صبي عراقي وهو حيّ، وفي ظلّ الظروف المتدهورة لا يزال مقيمو المخيّم يعانون من الإهمال.

فبعض النساء يرغبن في العودة إلى أوطانهن، ولكن عددا قليلا من الحكومات الأجنبية تولي اهتماما بعودة هؤلاء، وذلك بسبب الخوف من خطر أعضاء داعش المستمرّين في تأييدهم للتنظيم، وكذلك الخوف من عدم توفر أدلة ضدّهم في محاكم بلدانهم، وتقول قوات سوريا الديمقراطية بأنّه لا يمكن الاعتماد عليها في احتجاز هؤلاء في المخيم إلى أجل غير مسمى، ولكن لا الولايات المتحدة الأمريكية التي سيطرت في نهاية المطاف على هذا الجزء من سوريا، ولا الحلفاء العرب والأوروبيون، تقدموا بحلّ عملي بشأن هذا الموضوع.

ويقول مسؤول مخابراتي عربي “نظرا لأنّ  تنظيم داعش كان يمتلك وحدات نسائية، تم تعليمها على أن تكون ملتزمة بنشر فكرة الخلافة بمجرد عودتهم إلى بلدانهم الأم، فهم بذلك يشكلون خطرا على المجتمع وكذلك يمكن أن يكون أطفالهم”.

لم يقم العراق بعد بإعادة عشرات الآلاف من مواطنيه، بينما تقوم حكومات أخرى بإجلاء رعاياها في نفس الوقت، حيث تم إعادة ٨ ثمانية مواطنين أمريكيين من المخيم إلى الولايات المتحدة في حزيران، وحثّ الرئيس الأمريكي ترامب الدول الأوروبية على “استعادة ومحاكمة مواطنيها”.

وقال مسؤول مخابراتي أوروبي أنّ النهج المتبع يجب أن يكون “عمليا” “وعلى أساس التعامل مع كلّ حالة على حدى” وأضاف: سيتعيّن علينا أن ندرس وضع كلّ امرأة، ممن كانت متزوجة، وما هو الدور الذي لعبته داخل التنظيم، وهل هي مستعدة حقا للتخلي عن أيديولوجيتها”

في حين تصر وكالات الإغاثة بأنّ المجتمع الدولي لا يملك الوقت الكافي، ويستشهد بالخطر الذي يمثله مخيم الهول على الأطفال المحتجزين داخله.

يقول عمال الإغاثة من منظمة Save the Children وهي واحدة من أكبر المنظمات التي تعمل في مخيمات شمال شرق سوريا، إنّ هؤلاء الأطفال غالبا ما يظهرون علامات تدلّ على الصدمة النفسية الكبيرة لديهم، والفتيان على وجه الخصوص يمكن أن يكونوا عدائيين أكثر، بينما تتعرّض الفتيات للعنف الجنسي ويواجهن مشكلة الزواج المبكر.

وقالت سونيا خوش  مديرة  Save The Children: “إنّ الأطفال الذين أصيبوا بصدمة جرّاء العيش في كلّ هذا، بحاجة إلى أكثر مما يمكننا تقديمه في هذا المخيم”، وقالت: “إنّه ليس فقط الحرمان من التعليم والمدرسة” “بل إنّه العنف الذي تعرّضت له النساء والأطفال حيث يتحدث الناس عن رؤيتهم لقطع الرؤوس في ساحة البلدة، ورؤية الرؤوس تتدحرج حولها”.

وقالت بعض النساء اللواتي تمت مقابلتهنّ أنّهنّ لم تعدن مؤيدات حقيقيات للتنظيم، وقالت أخريات بأنهنّ لم تكنّ أصلا مؤيدات للتنظيم، ولكن تم إكراههن من قبل أزواجهن المتطرفين على الانضمام للتنظيم.

وفي مقطع فيديو تم نشره على الأنترنت في تموز قالت نساء مغطيات بالكامل ويحملن علم الدولة الإسلامية الذي خطّ بالأبيض والأسود أنّهنّ يبعثن رسالة من الهول ويحثثن “الأخوة” على “إشعال نار الجهاد، وتحريرهن من هذه السجون”.

ثم قالوا مخاطبين من أسموهم “أعداء الله” “نقول لكم بأنّنا نحن نساء “المجاهدين” اللواتي تعتقدون بأنّكم قمتم بسجنهن هنا في مخيمكم النتن، ولكننا قنبلة موقوتة، فقط انتظروا وسترون”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق