الشريط الإخباريتقارير

المبادرة الفرنسية التي تستهدف المجلس الوطني الكردي

ولاتي نيوز- سعيد قاسم

مضى حوالي خمسة أشهر على انطلاق المبادرة الفرنسية الهادفة لإنجاز اتفاق كردي-كردي التي من المفترض أنها ستجنّب المناطق الكردية شبح التدخل التركي، ولكن دون أن تحقق خطوات متقدمة لغاية الآن، بل إن الخطوات الأولى التي اتخذتها لا شيء يسند استمرارها.
ويلاحظ الحضور الأوربي من خلال قناة اتصال مؤثرة على الأطراف السياسية الكردية في سوريا، وهي قناة زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود برزاني، وهو يأتي من خبرة بارزاني في التعامل مع الفصيلين الكرديين ومعرفته المسبقة بما يريده كل طرف من الآخر، وهذا يعزز من حظوظ نجاح المبادرة.

الحضور الأوربي في ميدان الصراع الكردي لم يأتي تعاطفا مع القضية الكردية ومظلومية الشعب الكردي، وإنما نابع من تجاذبات دولية في الصراع حول منطقة حيوية بالنسبة للولايات المتحدة ومجموعة من الدول الأوربية المتحالفة معها وهذه المنطقة الحيوية “شرق الفرات” ليست كردية بحتة وإنما الكرد مجرد جزء منها، ولا يمكن تحقيق كيان قومي فيها لا كرديا ولا عربيا؛ والمشروع السياسي القائم فيها والذي تدعمه الدول الفاعلة هو مشروع مجلس سوريا الديمقراطية، الذي يعتبر ائتلافا سياسيا يجمع طيفا من الكرد والعرب وغيرهم من المكونات، وإذا ما حاول طرف سياسي ما في المستقبل منافسة هذا الائتلاف عليه أن يعمل وفق أجندات التحالف الدولي في هذه المنطقة.

وتنظر الدول الأوربية إلى تركيا كعامل مساعد للتنظيمات المتطرفة وبالتالي فهي -أي تركيا- محرّك الخوف لدى الدول الأوربية، والذي يجعلها تصر على الاستمرار في المبادرات الهادفة لتحقيق اتفاق كردي- كردي، لكون تلك الدول ترى أيّ نفوذ تركي في المنطقة الكردية تشكل خطرا على مصالحها وتخشى أن يكون المجلس الوطني الكردي حاملا للمصالح التركية وبالتالي تأتي هذه المبادرات لقطع الطريق أمام أي محاولة تركية للعبث بمصالحها.
المجلس الوطني الكردي يطالب بشراكة تشمل الجوانب العسكرية والإدارية والسياسية، وربما تشكّل المسألة العسكرية وموضوع دخول بيشمركة روج الجانب الأهم الحائل دون تحقيق اتفاق كردي-كردي، وقد يتعدى ذلك إلى مطالبة المجلس بشراكة على مبدأ المحاصصة الجغرافية، والبحث عن سيناريو مشابه للحالة الإدارية في إقليم كردستان، وهذا ما يستحيل أن تقبل به حركة المجتمع الديمقراطي كونها لا تزال ترى المجلس الكردي جزءً من الائتلاف السوري التابع لتركيا، وبالتالي فإنّ أيّ سلطة سياسية للمجلس على بقعة جغرافية ما في سوريا ستكون وفق فهمها بوابة لنفوذ تركي، كما أن أصحاب مشروع شرق الفرات “التحالف الدولي” لا يمكن أن يقبلوا بذلك لما يمكن أن يجر ذلك عليهم من مطالبات عربية في الرقة ودير الزور ومناطق أخرى باستقلالية إدارية.
وتبدو محركات التوجه لتحقيق اتفاق كردي كردي ضعيفة، إذ إن المجلس الوطني الكردي يعتكف لغاية الآن على ممارسة أي نشاط سياسي، وتتمنع أحزابه عن فتح مكاتبها، مع وجود إشكالية المعتقلين الذي يطالب المجلس بالإفراج عنهم دون أن تصدر حركة المجتمع الديمقراطي توضيحا بهذا الخصوص.

الواقع السياسي الكردي في سوريا صعب جدا، ويتوفر على إرث من التشرذم والخلاف، والعمل للأجندات الكردستانية والإقليمية على حساب مصالح الشعب الكردي، ولا يختلف عن الواقع السوري في أخذه لسياقات الصراع والتشبيح والتشهير ضد إرادة الاتفاق حيث أن هناك شريحة من “المناضلين” الذين يعيشون في البلدان الأوربية، من لا يسترضون إنجاز اتفاق كردي-كردي، وعدم رضاهم هذا قد لا يكون مرده العمل لصالح تركيا بقدر ما هو إرث التشرذم الكردي المصبوغ بالصراعات الوهمية، وهي صراعات قد تكون مع ذواتهم قبل أن تكون ضد مشروع ما، وبالتالي فإن قيادات المجلس الوطني الكردي المتواجدين في سوريا ومخيمات الإقليم تجد نفسها في صراع مع شريحة “المناضلين” كلما اتخذت خطوة في تحقيق تقارب مع حركة المجتمع الديمقراطي، كما إن ولاتي نيوز أيضا تتعرض من حين لآخر للتشبيح خلال سعيها لعب دور إيجابي في ترتيب البيت الكردي استنادا على سياستها العامة بتغليب المصلحة الكردية.

المبادرة الفرنسية تستهدف المجلس الوطني الكردي بالدرجة الأولى، وهو المستفيد الأبرز منها، ليس لإبعاد تركيا فقط وإنما لحاجة فرنسا إلى قوى كردية أخرى فاعلة في الميدان السياسي في شرق الفرات تكون منافسا سياسيا لحركة المجتمع الديمقراطي، إذ إن أهم المواضيع التي ستعمل عليها الدول الاوربية في مرحلة ما بعد داعش هي دعم المجتمع المدني في إطار سياسة عامة تهدف للقضاء على المنابع الفكرية للتطرف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى