الشريط الإخباريتقارير

تحليل: دير الزور التحدي الأبرز الذي يواجه قسد

الكاتب: فلاديمير فان لمركز MECRA

عن الإنكليزية: سوز حج يونس

لقد خسر داعش معقله الأخير في باغوز، في محافظة دير الزور في آذار 2019، على يد قوات سوريا الديمقراطية، ومع ذلك لا يزال التنظيم قادرا على تنفيذ  هجمات في المحافظة من خلال شبكة الأنفاق تحت الأرض، وفي أجزاء أخرى من المنطقة شرق الفرات.

فعلى سبيل المثال ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان في  الثامن من آب، بأنّ تنظيم داعش نفّذ 43 هجوما خلال 15 يوما، بينما ذكر مركز روجافا للبيانات (RIC) بأنّ تنظيم داعش قد نفذ 48 هجوما في دير الزور خلال شهر تموز، في حين شنّت 55 هجوما خلال شهر حزيران.

يتمّ تقسيم محافظة دير الزور من خلال نهر الفرات، إلى الضفة الشرقية، والتي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، وكما وتسيطر على أغلب الموارد النفطية الموجودة فيها، بينما يسيطر النظام السوري المدعوم من إيران وروسيا على الضفة الغربية لنهر الفرات وعلى مدينة دير الزور وبلدتي البوكمال والميادين.

 وربما يذكّرنا هذا الوضع إلى حدّ ما بتقسيم برلين بين الروس والولايات المتحدة، بعد هزيمة الألمان بعد الحرب العالمية الثانية، رغم عدم وجود جدار كجدار برلين، وإنّما ثمة نهر فقط.

ولكن لماذا يصعب على قوات سوريا الديمقراطية السيطرة على هذه المنطقة في دير الزور؟

في مقالة حديثة للصحافيين إليزابيث تسوركوف، وعصام الحسن، حيث طرح الصحفيان فكرة أنّ عودة ظهور داعش في العراق نابع من حرمان السنّة من حقوقهم هناك، وذكرا كذلك بأنّ هذا السيناريو قد يعيد نفسه في سوريا شرق البلاد، وذلك نتيجة لحرمان العرب السنة من حقوقهم هذه المرة.

وفي ثلاثة مقالات أخرى للصحفي شيللي كيتلسون، تمت الإشارة إلى فكرة مماثلة، وهي أنّ قوات سوريا الديمقراطية ينبغي أن تسمح لـ “القوات العربية المحلية” بالسيطرة على ريف دير الزور، كفصيل الجيش السوري الحرّ التابع  لأحمد الجربا، رغم أنّ هذا الفصيل التابع للجربا تخلّى عن الخطوط الأمامية في الرقة بعد هجمات تنظيم داعش، كما أنّه لم يعد لهذا الفصيل وجود داخل سوريا منذ العام 2017.

بالإضافة إلى أن الجيش السوري الحرّ لم يتمكن من إيقاف كلّ من جبهة النصرة وتنظيم داعش من السيطرة على دير الزور بعد العام 2012 وذلك بسب الانشقاقات والفساد والتنظيم السيء، ومنذ العام 2014 كان داعش يسيطر على معظم دير الزور تقريبا.

لماذا يصعب على قوات سوريا الديمقراطية السيطرة على هذه الأرض في دير الزور؟

شبكات الجهاديين في العام 2003

تتجاهل المقالات الثلاثة عن دير الزور، حقيقة أنّه وحتى قبل العام 2003 كان يتم تجنيد المقاتلين في دير الزور للقتال ضدّ الولايات المتحدة في العراق، وأنّه بعد سقوط صدام حسين في العام 2003؛ أيّ أنّه وقبل ظهور داعش، عاد الجهاديون من العراق إلى دير الزور مجدّدا، وساهموا في ظهور كلّ من داعش والنصرة في هذه المحافظة.

وتشير وثائق لتنظيم القاعدة، إلى أنّ دير الزور كانت نقطة عبور هامة للجهاديين الذين كانوا يرغبون بالتسلّل إلى داخل العراق، وكان ذلك على الأقلّ حتى العام 2006، بالإضافة إلى أنّ نسبة 34.3% من السوريين الذين تم تجنيدهم في تنظيم القاعدة، كانوا من دير الزور.

وأوضح أحد مسؤولي قوات سوريا الديمقراطية “أنّ الناس هنا يملكون تلك الذهنية للعمل مع هكذا جماعات”، “حيث أنّه وبين العامين 2003 – 2005 كان يتم تجنيد الناس في دير الزور، ومن ثم يتم إرسالهم إلى العراق للعمل مع القاعدة، ثم عاد بعض هؤلاء، ومن ثم تأثرت عائلاتهم بأفكارهم الجهادية، لذا كان من السهل على هؤلاء العمل مع النصرة، ثم بعدها مع داعش”.

والآن أصبح الوضع أسوأ بعد سيطرة داعش على دير الزور لعدّة سنوات، وأكّد تقرير كتبته ردينة البعلبكي، وأحمد مهيدي على “أنّ العديد من عناصر تنظيم داعش من القبليين، لا يزالون في مناطقهم ويتمتّعون بحماية قبائلهم ضدّ أيّ ردود انتقامية محتملة من وحدات حماية الشعب (YPG)، أو غيرهم من الموالين للنظام السوري”.

كما وأكّد التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، في تقرير لها بأنّ تنظيم داعش في سوريا “يحظى ببعض الدعم بين العرب السنّة على طول نهر الفرات، ومناطق أخرى ذات غالبية عربية، وذلك بسبب الانتماءات القبلية”.

وذكر تقرير حديث للأمم المتحدة، بأنّه يوجد ما يقارب 800 مقاتل من تنظيم داعش في المنطقة الواقعة شرق الفرات.

وتعترف قوات سوريا الديمقراطية في اجتماعاتها الخاصة، بصعوبة السيطرة على دير الزور، ولدى قوات سوريا الديمقراطية نحو 18000 مقاتل في الكسرة، هجين، صور، والشدادي، غالبيتهم من العرب، مع وجود بعض الكرد بينهم، من مدن قامشلي، حسكة وكوباني.

ولقد دفع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية قوات سوريا الديمقراطية لقتال تنظيم داعش في دير الزور في العام 2017.

فالولايات المتحدة لم ترغب بأن تقع المحافظة الغنية بالنفط، بيد دمشق والجماعات الإيرانية، الأمر الذي كان سيساعد إيران على إنشاء ما يمكن تسميته بالجسر البري.

وبينما تمكنت قوات سوريا الديمقراطية من السيطرة على حقل العمر النفطي في تشرين الأول من العام 2017، فإنّها لم تتمكن من السيطرة على البو كمال ، والتي سيطرت عليها الجماعات المدعومة إيرانيا في تشرين الثاني من العام 2017، ويحكم المجلس المحلّي الذي تدعمه قوات سوريا الديمقراطية، مناطق البادية في دير الزور والتي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية.

محاولات زعزعة الاستقرار:

إنّ وجود القوات المدعومة إيرانيا، في مناطق قريبة من مناطق سيطرة  قوات سوريا الديمقراطية، جعل من الصعب على قوات سوريا الديمقراطية، أن  تبسط سيطرتها الكاملة على هذه المنطقة.

حيث أنّ كلا من داعش، تركيا، إيران، ودمشق  يحاول أن يزعزع استقرار هذه المنطقة، ويريد أن يفشل مشروع قوات سوريا الديمقراطية، حيث تعمل هذه الأطراف على تنشيط الخلايا النائمة في المنطقة، وذلك بهدف نشر الاضطرابات، والاحتجاجات، وتنفيذ الهجمات  وعمليات الاغتيال.

حيث أنّه تم بالفعل تنفيذ اغتيالات بحقّ مقاتلين وأعضاء عرب في قوات سوريا الديمقراطية، ومجلس دير الزور المحلي، فعلى سبيل المثال تم اغتيال أبو إسحق الأحوازي في كانون الثاني 2019، و ياسر الدحلة في تموز 2019، ومروان فاتح الرئيس المشارك في مجلس دير الزور المحلي والذي قُتل في كانون الأول من العام 2018، وتُلقي قوات سوريا الديمقراطية باللائمة على تنظيم داعش، وعلى النظام السوري وإيران في تنفيذ هكذا أعمال وغيرها من المحاولات الأخرى في دير الزور.

إذ يتعيّن على قادة مجلس دير الزور المحلي، وكذلك على أعضاء البلديات المحلية أن يتعاملوا مع تهديدات الاغتيال اليومية، ومع رسائل التهديد اليومية التي تصلهم من أرقام مجهولة.

وهذا الشهر تم استهداف رئيس علاقات مجلس دير الزور المحلّي، وهو أحد الشخصيات البارزة من قبيلة البكارة، لكنّه نجا من محاولة الاغتيال هذه، وكما نجا غيره من قادة المجلس المحلي من محاولات اغتيال عديدة استهدفتهم.

وهذا ما يجعل الأمر غاية في الخطورة لأيّ شخص يريد العمل مع قوات سوريا الديمقراطية، ومع ذلك يضمّ مجلس دير الزور المحلي 300 عضو وجميعهم من غير الكرد.

وقال آرام حنا قائد المجلس العسكري السرياني “لدينا الأتراك، الإيرانيون، النظام السوري، وداعش، ولا نعرف من هو العدو هنا”، وقد لعب المجلس العسكري السرياني دورا في المعركة ضد تنظيم داعش في دير الزور ودورا في غرفة العمليات هناك.

وكما أكّد التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة على هذا الأمر أيضا، وذلك في تقرير له هذا الشهر، حيث قال التحالف “تسعى كل من روسيا، إيران، والنظام السوري، وداعش  لإضعاف قوات سوريا الديمقراطية، وذلك من خلال إثارة المظالم العربية ضدّ هذه القوات” وأنّ جهود النظام لتقويض قوات سوريا الديمقراطية قد تؤدي بالنتيجة إلى “فشل كامل فيما يخص الحفاظ على المهمة ضدّ تنظيم داعش في سوريا”.

كما كانت هناك محاولات لإنشاء مجلس قبلي في المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية في دير الزور، ولكنّه تبيّن بعدها أنّ هذا الأمر صعب، نظرا لوجود العديد من شيوخ عشائر البكارة والعقيدات في الخارج، كتركيا و دول الخليج أو في دمشق، كنواف البشير الذي تحوّل من الجيش الحر إلى النظام السوري وإيران و ذلك في العام 2017،  ومصعب الهفل من قبيلة العكيدات والذي يتواجد في الخليج، بينما لا يزال شقيقه الأصغر إبراهيم الهفل متواجدا في دير الزور، لذا فإنّ إنشاء مجلس قبلي من غير تواجد الزعماء الرئيسيين لهذه القبائل، من شأنه أن يؤدي إلى خلق مشاكل بين هذه القبائل.

 كما أنّ الإدارات التابعة لقوات سوريا الديمقراطية، تتمتع بدعم محدود، فيما يخصّ إعادة إعمار المناطق التي  حررتها، وهذا الأمر يمكن أن يتم استغلاله من قبل تنظيم داعش، وذلك لإعادة تجنيد المقاتلين في تلك المناطق، كما أقرّ التحالف في تقرير للبنتاغون بأنّه لم يكن من المفاجئ أن تكون الحكومة السوري قد حاولت استخدام الاحتجاجات في دير الزور في أيار الماضي، كبروباغندا ضدّ قوات سوريا الديمقراطية.

كما وحاولت وسائل الإعلام الموالية لتركيا، أن تستفيد من هذه الاحتجاجات، وذلك لتشويه سمعة قوات سوريا الديمقراطية، وهذا يُظهر مرة أخرى بأنّ كلا من دمشق وأنقرة لديهما مصلحة مشتركة في الإضرار بقوات سوريا الديمقراطية.

لكن في الواقع فإنّ الإدارة الذاتية المحلّية، وقوات سوريا الديمقراطية، لا تزال تعاني من عدم الاعتراف بها، وأنّه لا تزال هناك مخاوف من سحب الرئيس الأمريكي ترامب لقواته من سوريا، هذه كلّه يُضرّ بثقة الأطراف المحلية بقوات قسد.

بعض الزعماء والقبائل العربية في دير الزور، يريدون ضمانات مستقبلية من قسد للعمل معها، ولكنّ قسد لا يمكنها أن تعطي ضمانات حتى  لمستقبل مناطقها ذات الغالبية الكردية، فما بالك بدير الزور.

فعندما هدّدت تركيا بالهجوم، وبالمقابل هدّدت قوات سوريا الديمقراطية بسحب قواتها من مناطق دير الزور والرقة، أثار هذا الأمر مخاوف في دير الزور من دخول النظام وإيران إلى مناطقهم، وكما أثار مخاوف الشبان هناك ممن يتخوفون من السوق إلى التجنيد في صفوف جيش النظام.

فعندما سمح لتركيا باحتلال عفرين في آذار 2018، ساهم هذا الأمر في كسر الثقة لدى الناس في شمال شرق سوريا، كما رأوا كيف أنّ الولايات المتحدة الأمريكية لم تتدخّل لوقف الجيش العراقي والقوات المدعومة من إيران، من الاستيلاء على كركوك وانتزاعها من الكرد في تشرين الأول من العام 2017.

النفط

تجدر الإشارة إلى أنّ الاحتجاجات في دير الزور في أيار الماضي، لم تكن مرتبطة بقيام قوات سوريا الديمقراطية ببيع النفط  لدمشق، بسبب المعارضة للحكومة السورية، وقال كبير مستشاري قوات سوريا الديمقراطية “هم (أيّ بعض أفراد العشائر) قالو لنا، أعطونا النفط، ونحن سنبيعه للنظام”.

وحتى في فترة حكم تنظيم داعش، كانت بعض القبائل تتمتع بامتيازات فيما يخصّ بيع النفط، والآن تريد هذه القبائل أن تستعيد تلك الامتيازات مجدّدا، غير أنّ قوات سوريا الديمقراطية تريد تطبيق المركزية فيما يخصّ إدارة الموارد الطبيعية، وتريد أن تستخدم هذه الموارد في جميع مقاطعاتها السبع، وأن تستثمر هذه الموارد، حتى تتمكن من دفع رواتب الآلاف من الموظفين في شمال شرق سورية، ووفقا للتقرير الذي كتبه الباحثان ردينة البعلبكي، وأحمد مهيدي، فإنّ داعش لم تستطع أن تمنع قبيلة البوجميل في الديبان، وقبيلة الجوران في الطيانة من احتكار استثمار النفط في حقل العمر.

كما كانت هناك نزاعات بين الفصائل المسلحة والقبائل في دير الزور بين العامين 2012-2014  قبل سيطرة تنظيم داعش، لذا فإنّ قوات سوريا الديمقراطية لا تريد أن تتكرّر هذه التجربة، نتيجة إعطاء امتيازات لعائلات من عشيرة معينة.

السبب الآخر لهذه الاحتجاجات كان ارتفاع أسعار الوقود و نقصه، بالإضافة إلى قلة الخدمات  في منطقة دير الزور، مقارنة بالمناطق الأخرى التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، فعلى الرغم من أنّ دير الزور تعتبر منطقة غنية بالنفط، إلا أنّها لا تتمتع بالسعر نفسه الذي يُباع به النفط في المناطق الأخرى.

كما لم يكن التجنيد الإلزامي هو سبب اندلاع الاحتجاجات في دير الزور، كما أشار تقرير البنتاغون، فحتى الآن لم تطبّق قوات سوريا الديمقراطية التجنيد الإلزامي في دير الزور، إذ أنّه قد يؤدي إلى احتجاجات واسعة في المناطق القبلية.

وعلى الرغم من أنّ بعض الصحافيين ووسائل الإعلام توقّعوا مزيدا من الاحتجاجات، وفق ما جاء في تقرير للبنتاغون، إلا أنّه وفي الحقيقة، هدأت هذه الاحتجاجات في حزيران، و ذلك بعد تدخل قادة قوات سوريا الديمقراطية والمجلس المحلي، الذين نجحوا حتى الآن في تهدئة هذه التوترات.

ملاحظات ختامية

في الختام، يمكننا القول أنّ وضع دير الزور معقّد، حيث أنّ لدينا في البداية  الشبكات الجهادية القديمة والتي تعود إلى حرب العراق بالإضافة إلى وجود أشخاص آخرين من دير الزور انضموا إلى داعش في فترة سيطرة تنظيم الدولة.  

هناك أيضًا الدعم المحدود لإعادة الإعمار في ريف دير الزور والانقسامات الداخلية بين القبائل.

ويحاول كلّ من داعش، إيران، الحكومة السورية تقويض قوات سوريا الديمقراطية من خلال استهداف أبناء دير الزور ممن  يعملون مع قوات سوريا الديمقراطية أو مع مجلسه المحلّي.

لذا فقد حذّر تقرير البنتاغون الأخير من أنّه وبدون دعم إضافي من قوات التحالف، فهناك خطرا من احتمالية فشل المهمة المناهضة لداعش.

 وإنّ السبيل الوحيد لمنع حصول المزيد من هذه التوترات، ومنع المزيد من الهجمات التي تنفّذها الخلايا النائمة هناك هو بمنح قوات سوريا الديمقراطية المزيد من الاعتراف بها، وزيادة التمويل لقوات سوريا الديمقراطية، وتحسين الإدارة المحلية في دير الزور، والحفاظ على استمرار وجود القوات الأمريكية في سوريا.

كما تحتاج قوات سوريا الديمقراطية إلى دعم التحالف لمواجهة الخلايا النائمة التابعة  للحكومة السورية وداعش.

كما يمكن إشراك قوات سوريا الديمقراطية، أو ممثلها السياسي مجلس سوريا الديمقراطية، في محادثات السلام لإعطائها المزيد من الشرعية والاعتراف.

كما ويمكن أن يساعد الاتفاق على المنطقة الآمنة بين الولايات المتحدة وتركيا وقوات سوريا الديمقراطية أيضًا على منع عودة داعش في دير الزور، والحفاظ والتركيز على مهمّة مكافحة داعش.

لأنّ أيّ قتال بين تركيا وقوات سوريا الديمقراطية قد يؤدي إلى عودة داعش أو قد يؤدي إلى استفادة الحكومة السورية وإيران من الفراغ الذي قد ينشأ في الرقة ودير الزور.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق