الشريط الإخباريتقارير

الكرد في امتحانهم الوجودي أمام عُهر العالم

ولاتي نيوز- سعيد قاسم

ثمّة دمويةٌ تنتهي إليها تطورات أي مشهد سياسي سوري منذ انطلاق الاحتجاجات ضد النظام السوري قبل ثماني سنوات، دمويةٌ قَدَرية اتّسمت منذ اللحظة الأولى بصفات الجريمة البدائية بقتل السوري لأخيه السوري.

هذه الدموية لم تأتِ مصادفةً، ولم تأتِ كنتاج طبيعي لاختلاف السوريين حول طبيعة حكم أو شكل السلطة، وإنما هو رهان المتاجرين بالدم السوري، واتخذت هذه الدموية سلاحا وجوديا إذ تبلورت الخلافات السياسية وتحوٍلت إلى النظر إلى سوريا كحلبةٍ لا تسع المختلف، فصار كل مكون تهديدا لآخر من حيث وجوده، ومن حيث رغبته في البقاء.
ومع تطور الفكر الإقصائي ووصوله لأعلى درجات القبح، باتت الهوية الكرديّة خطرا على الكيان الوجودي للنظام والمعارضة، وعلى ذلك فَقَد حقّه في أملاكه وحرماته، ووجوده، وعلى ذلك يواجه الآن خطر الإبادة بتوافق دولي يحمل أبشع درجات العهر السياسي والأخلاقي.

ليست المواجهة السياسية والوجودية التي يخوضها الإنسان الكرديُّ السوريُّ أمام حدث العدوان التركي أقلّ شأنا من مواجهته مع داعش، وإنما هي أبلغ في صورها المتعددة والتي تحاكي سمو الكردي وارتفاعه عن عالم يٰفتقر إلى القيم الإنسانية؛ إذ إنه يتعرض للخذلان من العالم الذي صّفق حتّى الأمس القريب لبطولاته ضد الإرهاب وشَكَره حتى الأمس القريب لإنقاذه العالم من الإرهاب، وهي في وجهها الآخر تحمل سمات الإنسان الكردي السوري التي تتمثل بقيم السلام والتسامح، وحسن الجوار.
ما يتعرّض له الكرد الآن سقوط أخلاقي للعالم أجمع، الكرد يتعرضون للعدوان باسم “السلام” في الوقت الذي كانوا أكثر الشعوب التي عملت لأجل الحفاظ على مجتمع آمن منوّع، وهم أكثر الشعوب التي حَوت في كنفها شعوبا وأديانا.

منذ أن بدأ عصر داعش في سوريا والعراق كقوّة خيالية ذات طابع هلامي، لم يعرف مصدر تمويلها وقوّتها، وظهورها كقوة منقذة لشريحة مجتمعية تسعى إلى استعادة مجد فقدته بعد زوال الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، ظهرت أولى أهدافها في القضاء على أي فكر أو دين أو مذهب أو ثقافة مختلفة، وحقق التنظيم المتشدد خلال سنوات معدودة أهدافها في تحويل ما تبقى من ثقافات الشرق القديم إلى هدف لها؛ من السريان والاشوريين والكلدان والكرد والايزيديين.. وغيرهم، وحققّ التنظيم المتشدد مع تنظيمات متشددة أخرى مثل الفصائل المسلحة في عفرين، ما لم تحققه أنظمة الدول الإقليمية المؤثرة وأبرزها إيران وتركيا وهاتان الدولتان المتهمتان بتأسيس داعش وتمويله هما أكثر الدول المستفيدة من التنظيم، ليس لأنهما يقطفان ثمرة كل صراع تخلقه التنظيمات المتطرفة، وإنما لأنهما حوّلا الشرق الأوسط إلى عوالم تابعة لها وتحقق أجنداتها.

في حالة العدوان التركي على المناطق الكردية تظهر تركيا بشكل واضح وجلي من خلال حملتها ضد المدنيين كأحد أهم المعتمدين الدوليين لتأسيس التنظيمات الإرهابية، ومن ثم وضعها في بازار التجارة الدولية على حساب أمن الشعوب واستقرارها وهي الآن تقطف ثمار الخراب الذي ألحقته بسوريا والعراق، وأفضل جائزة بالنسبة لها هو محو الشعب الكردي ومحو المجتمعات التي ترتبط مصيرها بمصير الشعب الكردي مثل المسيحيين وغيرهم، وتركيا تدرك إنها بصدد إنهاء شعب يشكل وجوده في شكله المنوعّ قيمة تاريخية ووجودية عظيمة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق