الشريط الإخباريتقارير

أردوغان يراهن على صراع عربي- كردي لتحقيق أحلامه العثمانية

ولاتي نيوز- سعيد قاسم

أعاد التدخل العسكري التركي في شرق الفرات ومن نقطة رأس العين تحديدا مسألة الصراع
العربي- الكردي إلى الواجهة، وهو رغم إنّه صراع غير مكتمل الأبعاد والشروط إذ إنّه لا يزال يحمل ملامح العشائرية العربية والكردية في تلك المنطقة تحديدا التي شهدت في مراحل تاريخية عديدة معارك بين ائتلافات عشائرية كانت بعيدة عن الصبغة العرقية حينها إلّا إنّها تبلورت في عصر القوميات، وكسبت ملامح قومية قادرة على إنتاج نفسها من جديد فيما لو تهيّأ لها كما الآن الظروف السياسية الملائمة.

وتنطلق فصائل المعارضة المسلحة من حالة تعبوية معادية للكرد من خلال ما تردّده بأنها ستقاتل “العصابات الكردية المسلحة” بينما في الحقيقة هي تحارب قوة عسكرية اسمها قوات سوريا الديمقراطية وهي مدعومة من غالبية العشائر العربية في شرق الفرات، كما إن العشائر العربية في دير الزور والطبقة أعلنوا النفير العام دعما لقوات سوريا الديمقراطية.

المنطقة التي تفصل بين رأس العين وتل أبيض منطقة ذات غالبية عربية وهي شكّلت فاصلاً طبيعيا لأي مشروع سياسي في سوريا ذات طابع قومي كردي مشابه لإقليم كردستان العراق، ورغم إن تلك المنطقة لم تتعرض لأي مشاريع عنصرية من قبل وحدات حماية الشعب إلا إن الهواجس ظلّت عند شريحة من المثقفين العرب وانطلقوا من هذه الهواجس لإطلاق اتهامات لوحدات حماية الشعب ومن ثم لقوات سوريا الديمقراطية بتهجير أهالي تلك المنطقة، وهذه الهواجس كانت موجودة ولا تزال لدى البعض من أبناء تلك المنطقة وعلى ذلك كان من السهولة تعاطف العرب في تلك المنطقة مع أي مشروع مغاير عن المشاريع الكردية المحتملة، وعلى ذلك كانت تلك المنطقة من أولى المناطق في شرق الفرات التي سهّلت دخول جبهة النصرة إليها ومن ثم تنظيم داعش الذي استقرّ لمدة ليست قليلة في المنطقة الممتدة بين تل أبيض ورأس العين.
كما إن وجود حاضنة شعبية لتنظيم داعش في المنطقة السهلية “شبه الصحراوية” بين تل تمر وتل أبيض وعين عيسى، استند على صراع تاريخي عربي مع الجوار الكردي والمسيحي، وقسم من هؤلاء باتوا يعلنون دعمهم للتدخل التركي من خلال رفعهم أعلام تنظيم داعش فور سماعهم بنبأ تقدم الجيش التركي والفصائل الموالية لها باتجاه عين عيسى.

الأتراك من جهتهم اختاروا تلك المنطقة تحديدا، منطلقاً لاجتياحهم مناطق الإدارة الذاتية دوناً عن المناطق الأخرى، إذ يعلمون تماما إن سيطرتهم على تلك المنطقة قد تكون منعطفا لخلق صراع عرقي بين العرب والكرد وبالتالي هدم المشروع السياسي المجتمعي الذي يحاول مجلس سوريا الديمقراطية تأسيسه في منطقة شرق الفرات قبل أن يقوم بإسقاط المشروع عسكريا من خلال سعيه السيطرة على مدينة تل أبيض الاستراتيجية التي تشكل عقدة وصل بين منطقة الجزيرة والرقة ومنبج، وبالتالي إنهاء المشروع الأمريكي كليّا في الكيان الذي تأسس قبل عدّة سنوات والمُسمّى بشرق الفرات.

فالسيطرة على تل أبيض وحدها تكفّل هدم مشروع شرق الفرات إذ إنّها جسرٌ يوصل بين مناطق رأس العين وعين عيسى وكوباني ومنبج، وأغلب هذه المناطق تتشكل سكانيا من خليط مؤلف من العرب والكرد ونسبة قليلة من أقليات أخرى، ويخشى الكرد أن يتعرضوا هناك لإبادة جماعية وعمليات قتل على الهوية مثلما حدث في اليوم الثالث من العملية العسكرية حين قام مسلحون من فصائل “الجيش الوطني” بإعدامات على الهوية لتسعة مدنيين- كان بينهم السيدة هفرين خلف الأمين العام لحزب سوريا المستقبل- انتقلوا بين عين عيسى والقامشلي.

الأبعاد الجيو سياسية للحملة العسكرية على المنطقة التي تفصل بين رأس العين/سري كانيه وتل أبيض لا تقتصر على إنها ستؤدي إلى إنهاء مشروع شرق الفرات وإنما إن حصل وسقطت مدينة سري كانيه، التي تشكل خط دفاع هام لحماية المناطق الكردية فإن ذلك سيؤدي إلى سقوط مدن كردية أخرى تباعا، وهذا قد يستحيل تحقيقه بالنظر إلى أن المقاتلين الكرد في قوات سوريا الديمقراطية سيدافعون عن المدينة حتى آخر مقاتل.
البعد العثماني للأتراك في نظرتهم لتلك المنطقة هو لكونها ستشكل ممرا هاما للوصول من “تل أبيض- عين عيسى- تل تمر- الهول” إلى الاراضي العراقية والموصل تحديدا، وبناء قواعد عسكرية في تلك المنطقة متصلة بالقواعد التركية في محافظة نينوى كاستراتيجية تمهيدية لضم هذه المناطق إلى تركيا في المستقبل، بالإضافة إلى أن ذلك سيؤدي إلى خنق اقتصادي لإقليم كردستان العراق الذي يشكل صلة تجارية بين تركيا والعراق.
أولى نتائج عملية “نبع السلام” يُرجّح أن تكون مجازر متفرقة بحق المدنيين الكرد، وثمة مؤشرات لحدوث ذلك في ريف منطقة كوباني المحاصرة حاليا حيث أن الكرد والعرب باتوا يتخوفون من بعضهم البعض.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق