الشريط الإخباريتقارير

هفرين خلف.. “لفّوا شاهدة قبري بجديلتين”.

ولاتي نيوز- حكمت محمد

تجاوزت المشاهد التي صوّرت تشيّيع السياسية الكردية السورية هفرين خلف، الصورة النمطية للموت ومشاعر الحزن والألم المرافقة لها إلى التعبير عن الهزيمة الثقافية والأخلاقية للعصابات التي تحاول منذ أيام احتلال جزء من أراضي شمال سوريا، لهدف جعلها مسرحاً لعمليات السلب والنهب، كما فعلوا ذلك في عفرين ومناطق أخرى من سوريا.

الفصائل المسلحة تعمّدت استخدام أقصى أدوات الوحشية في قتلهم هفرين، تقول والدتها بهدوء “كانوا يستطيعون قتلها برصاصة أو رصاصتين، شوّهوا جسد ابنتي، جسدها كان لايزال غضّا..”  السيدة سعاد أو “يادي سعاد” والدة هفرين، لم تعبّر عن حقدها على من قتلوا ابنتها، لم تأتِ على نقد أو إدانة، وإنّما بدا عليها حكمة القادة؛ إذ إنّها لم تنتظر شفقة أو رحمة من المجرمين، ربّما لأنها تدرك مسبقا إن هؤلاء جاؤوا إلى بلادنا ليمارسوا القتل فقط، فكانت رغبتها الوحيدة  في احترام حرمة الموت، حرمة الجثّة؛ لمَ هذا الكم من البلاغة في الحقد، لم هذا الإصرار على إيصال رسائل الكراهية؟

الفصائل التي تستخدم خلفية إسلامية في حملتها على شعب مسلم، لا يعرفون إن منزل هفرين الملاصق لمنزلنا، لا يبعد سوى أمتارٍ قليلة عن جانع سيد عبدالله في الجزء الشمال من المدينة، الشمال المعذّب دوما.

في النصف الثاني من عقد الثمانينيات كانت مدينتي الصغيرة ديريك- المالكية تعاني شُحّاً في الخدمات الإدارية، دون أي اعتبار لموقعها أو لتوفرها على الثروات الطبيعية، والحال هذه كانت تفيض المياهه في فصل الشتاء على كثير من الشوارع وأرصفتها وكنا نلقى عناءً للوصول إلى مدارسنا، ما جعل بعض النسوة آنها أن يتطوعن لحمل الأولاد (وأنا منهم) على ظهورهنّ والاجتياز بهم إلى الضفة الأخرى.

عدّة مرات رأيت أغراض بيتنا تطفو على المياه فلنجأ للجيران حتى يهدأ غضب السيل، وفي إحدى تلك الليالي الحالكات كادت قسوة الوابل أن تدفع بيتنا إلى الانهدام لولا أن اهتدى الرجال إلى فتح هوّةٍ كبيرة في جدار بيتنا والبيت الذي يعقبه فتخرج المياه إلى الجهة المقابلة، وهو ماكان، وكان ذاك الجدار جدار بيت الشهيدة هفرين . 

كبرت هفرين على أغاني والدتها لها، وهي الوحيدة بعد وفاة أختها الكبرى، وارتادت الجامعة تدرس الهندسة، ثم عادت فباغتت المدينة بحسنها، تماماً كما صعقتها إثر رحيلها.

يقول صديقي الصحفي إنها لم تكن من طينة السياسيين الذين يستجدون الأضواء والكاميرات ..كان حضورها طاغياً بما يكفي لأن يحيل كل ما حولها تفاصيلاً.

أما الخالة سعاد – وهي الأم لمدينة بأكملها- فلم يساورني الشك أبداً بقوتها لحظة تلقي الخبر الأليم، عرفتها منذ صغري امرأة ترتدي السواد، بنظرة قاسية تهزأ بأيّ جيش .. أيّ جيش.

أما صوتها حين تنطق الكلمة “كردستان” فسيلٌ عارم من قصص التحدي والإصرار، يهدأ السيل فتطفو على سطحه عديد الأغنيات الحزينة.

في النصف الثاني من الثمانينيات توفي رجل قُيّض لصوته أن يضحى آبدةً تسردُ دونما كللٍ حكاية الوجود الكردي على هذه الأرض .
هو الفنان الراحل محمد شيخو ويقول في إحدى أغانيه الخالدة :

“أيها الملأ الحيّ
حين أموت
لا تواروني الثرى كالآخرين
ادفنوني في فناء الجبل
ولفّوا شاهدة قبري بجديلتين”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق