الشريط الإخباريتقارير

الحياة سخيفة وبلا معنى

دليل سليمان لوكالة AFP، بتاريخ ١٩ أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠١٩
عن الإنكليزية: سوز حج يونس

القامشلي – عندما ولد ابني أسميته آفان، وهذا الاسم يعني العمار والازدهار، وقد كنت آمل بأن ينعكس هذا الاسم على حياته المستقبلية. الآن وبعد مضي نحو عام، أعود وأفكر بالسبب الذي دفعني إلى تسميته بهذا الاسم، وكيف يمكن لأيّ شخص بأن يكون لديه أمل ما وسط كلّ هذا الدمار والخراب في بلدي الحزين.

” كيف تجرأنا على أن نحلم بأنّ أرضنا ستبقى آمنة”
أنا كردي من شمال سوريا، وأقوم بتصوير الحرب في هذه البلاد منذ سنوات. لقد كنت أشاهد الموت والدمار واليأس والمعاناة، إلا أنّني كنت بعد ذلك كلّه أعود إلى منزلي حيث الأمان.
لقد كان لدينا حكم ذاتي هنا، وبعد أن تحالفنا مع القوات الأمريكية، وهزمنا خلافة تنظيم الدولة، تجرأنا على أن نحلم بأن أرضنا ستبقى آمنة، وهذا الأمر لا يعتبر أمرا هيّنا لشعب لا دولة له، ولشعب تورّط لقرون في صراع النفوذ بين القوى الكبرى في المنطقة.

” لقد قلَبت الأسابيع الماضية حياتنا رأسا على عقب”
واعتقدتُ في مرحلة ما، بأنّ هناك نوعا من العدالة في هذا العالم، وكانت تلك الفترة عندما كنت أصوّر نساء يحاربن جهادييّ تنظيم الدولة، حيث أنّ بعضا من هؤلاء النسوة كنّ سبايا لدى هذا التنظيم، ثم تمكّن بعدها من مواجهة التنظيم والقتال ضدّه، كما أنهنّ تمكنّ من هزيمة عناصر التنظيم في ساحة المعركة.
إلا أنّني في الحقيقة كنت مخطئا ومتسرّعا بهذا الاعتقاد، حيث قلبت الأسابيع الماضية حياتنا رأسا على عقب، ولم أعد أؤمن بوجود عدالة في أيّ شيء، لقد أصبح كلّ شيء سخيفا وبلا معنى، وعلّمتني الأيام الأخيرة حقيقة أنّ هذا الكون يدور في جحيم لا مبالٍ.
ونحن الكرد لا نزال في حالة صدمة، منذ أن قرّر الرئيس ترامب سحب القوات الأمريكية من منطقتنا، إذ لم تكن القوات الأمريكية مجرّد شريك للكرد وحسب، بل كانت كذلك الرادع لتركيا، التي تحارب المعارضة الكردية لسنوات، وتريد إرسال قوات إلى شمال شرق سوريا، لإقامة منطقة خالية من مقاتلينا.
و بعد قرار ترامب، أرسلت تركيا قواتها، ومنذ ذلك الحين لم يعد الكرد يملكون الوقت الكافي للتفكير في أيّ شيء، عدا الدفاع عن مناطقهم ومدنهم حتى لا تسقط.
لقد رأينا كيف أنّ أمريكا لم تف بوعودها، عندما قامت بإجلاء قواتها، وتدمير بعض المواقع الدفاعية، بينما كانت تهمّ بالخروج. لقد ساعدت أمريكا في إضعافنا، حتى نستسلم لتركيا دون قتال.
إلا أنّ الكرد يشعرون بأنّه يجب عليهم أن يقاتلوا حتى النهاية المريرة، فهم لن يعيشوا ليروا المصير المخزي الذي ينتظرهم إذا ما خسروا الحرب ضدّ تركيا، فلم تعد لديهم ثقة بأحد بعد الآن، سوى بأنفسهم.
لقد ضحّينا بالآلاف من أبنائنا للقضاء على الإرهاب، بينما تركَنا حلفاؤنا الأمريكيون، لنواجه تركيا بمفردنا، ويرى الكرد الرئيس دونالد ترامب كتاجر، سيقوم ببيعنا بسهولة مقابل المال، كما ويعتقد الكرد بأنّ الرئيس ترامب رجل مجنون ومتقلّب المزاج، يتغيّر بين يوم وآخر، فهو لم يكن صادقا في وعده بحماية شركائه في الحرب، لقد خاننا ترامب، كما حصل معنا مرارا على مرّ التاريخ.
لقد عشنا هنا على هذه الأرض منذ قرون، ونحن نعلم جيدا بأنّ القوى الكبرى في الشرق الأوسط لا ترحم الإثنيات الأخرى، فإما أن يُقتلوا، أو أن يتم تعريبهم أو تتريكهم، كما حدث في الماضي.
في السابق كنتُ أقوم بتصوير المعارك التي تجري في أي مكان آخر، ثم أعود لأستريح في منزلي، ولكن اليوم بتُّ أعود من مشاهدة المعارك والقصف إلى منزلي، لأجد المصير ذاته، والإرهاق وعدم الأمان ذاته.
لقد بات الخوف يرافقنا إلى السرير.
في اليوم التالي عدت إلى البيت بعد تغطية المعارك الضارية التي كانت تجري في سري كانيه (رأس العين). فتحت الباب فإذا بابني الصغير يبكي، لأنّه سمع القصف الذي تعرّضت له مدينتنا. كانت هذه هي المرة الأولى التي يَسمع فيها أشياء كهذه منذ ولادته، فأخافه الأمر كثيرا، ولم يستطع النوم إلا بعد أن استلقى على صدري، حيث جفت دموعه على خديه، بقيت أراقبه طوال الليل، حيث استيقظ باكيا، ثم عاد لينام مذعورا.
إنني أتمنى له السعادة، وأن يكون مصيره أفضل من مصيرنا. ربما سيعرف كم كان صعبا علينا أن نعيش في ظلّ هذا الهجوم التركي، الذي دمّر أحلامنا في العيش على أرضنا، وفي الحرية التي نريد أن نغني بها أغانينا الملحمية الحزينة التي تتحدث عن مصيرنا.
لم أتخيّل أبدا بأنّني سأغطي كلّ هذه المعارك من كوباني إلى الرقة، والآن وبعد أن وصلت الحرب إلى باب منزلي الذي ربما قد يدمّر في الأيام القادمة، بفعل الضربات الجوية أو المدفعية.
“من الصعب عليك أن تلتقط صورا لأشخاص، يستشهدون بقلوب مكسورة، لأنّهم يموتون وهم يعلمون بأنّ أرضهم ستُحتل، وستدمر شواهد قبورهم”.
لأكن صريحا، لم أكن أعتقد بأنّ العالم سيغضّ الطرف عما يحدث للكرد في سوريا اليوم. إنّ من الصعب عليك أن تلتقط صورا لأشخاص، يستشهدون بقلوب مكسورة، لأنّهم يموتون وهم يعلمون بأنّ أرضهم ستحتل، و ستدمّر شواهد قبورهم، كما حدث للمقابر الكردية في عفرين، وهي المنطقة ذات الغالبية الكردية والتي تقع في أقصى غرب سوريا في الشمال، والتي استولت عليها تركيا، منذ مطلع العام الماضي. لن تكون هناك شواهد قبور، لتشهد على الوجود الكردي على هذه الأرض.
إننا نعيش خيبة الأمل بينما نمضي إلى قدرنا.
لن ينسى التاريخ ما حدث لنا أبدا، فالتاريخ دوما يكرّر نفسه، إنّه مليء بالهزائم والإحباط، فهو كالريح المحمّلة بالغبار الكثيف، يجعل من الصعب علينا أن نلتقط أنفاسنا.
في كلّ مرة أتجه فيها إلى مكان ما، أطلبُ من زوجتي أن تعتني بنفسها وبابننا، لأنني قد لا أعود، فتقول لي “لماذا تتحدث عن الموت، ثم تجهش بالبكاء”.
ستبقى هذه الذكريات المؤلمة معنا إلى الأبد.
وهناك دائما مشاهد تبقى عالقة في ذهنك عندما تقوم بتغطية حرب ما، كامرأة ترقص في جنازة شقيقها، حيث رقصت بينما هي تبكت والدموع على خديها، وفتاة تبكي على قبر حبيبها، وأب وأم يدفنان ابنهما، ويُهيلان عليه بالتراب، حيث يعلمان بأنّه الوداع الأخير.
في اليوم التالي شاهدت أمّا تبحث عن جثمان ابنها بين الجرحى والقتلى، الذين وصلوا إلى المشفى، كانت تنظر إلى كلّ الوجوه، على أمل أن تعثر على ابنها، إلا أنّها في النهاية انهارت، بينما كانت تلهث وتنادي على اسمه، وبعد ذلك أخبرها الناس بأنّه قد مات، وأنّهم لم يتمكّنوا من العثور على جثمانه، لأنّه تناثر إلى أجزاء عقب الغارة الجوية على بلدة سري كانييه/رأس العين الحدودية.
عندما ألتقط الصور، غالبا ما تمتلئ عيناي بالدموع، ربّما لأنّني أتشارك المصير ذاته مع هؤلاء الأشخاص في عدسة الكاميرا، لقد كانت لديّ الكثير من الأمنيات والأحلام التي كنت آمل أن أحقّقها، ولكن الآن بات كلّ شيء حولي ينذر بالكارثة، حيث تبددت الأمنيات والأحلام مع رياح الفجر.
أكتب هذه الكلمات، بينما هناك نسيم بارد يلفّ أصابعي، وينتظرنا المجهول على هذه الأرض، حيث أردتُ أن أعيش كل حياتي مع عائلتي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق