الشريط الإخباريتقارير

خسرنا مدينة.. كسبنا العالم

ولاتي نيوز- سعيد قاسم

خسر الكرد مدينة سري كانيه، هي المدينة الثانية التي يخسرها الكرد بعد عفرين خلال معركتهم الوجودية في الوطن السوري الذي يزداد تشتتا وإنهداما داخليا من عام إلى آخر.

قبيل أيام كان مشهد المقاتلين داخل المدينة، متحصنين بجدران أزقة المدينة وبيوتها المتواضعة، أكثر المشاهد حضورا ذهنيا في مخيلة الملايين من الكرد، وأكثر المشاهد التي حملت قيما عاطفية وإنسانية وقومية، وبات التفكير بالتفاصيل الممكنة لمشاهد المعركة داخل المدينة قيمة شعورية وأخلاقية فريدة، أن تفكر مثلا أن مقاتلا في هذه اللحظة ستصيبه رصاصة أو إن جدارا سيتهدم عليه بعد غارة جوية أو إن مقاتلا سيوصي رفيقه بعائلته أو إن مقاتلا آخر سينجو من الموت..
هُزم المقاتلون الكرد في سري كانيه عسكريا، ولكنهم سطروا الكثير من الملاحم البطولية، في مواجهتهم للجيش التركي مدعوما بمجموعات جهادية مأجورة، وانتصر الكرد مرة أخرى في معركتهم الأخلاقية والثقافية، وبفضل التضحيات التي قدمها المقاتلون الكرد تضامن شعوب وأمم مع القضية الكردية العدالة في مواجهة العداوة الوحشية للطورانية التركية وتوابعها الجهادية.
الانتصار الأبرز للقضية الكردية في سوريا هذه المرة إنها أثبتت إنها قضية وطنية بحتة، تنطلق من تمسك المواطن الكردي بأرضه على إنها جزء من سوريا، وارتبطت هذه القضية بالعلاقة الإنسانية مع الجوار العربي والمسيحي، وبوجه خاص في الجزيرة السورية، فكانت التضحيات التي قدمها العربي والمسيحي لأجل هذه الأرض تطورا في القيمة الثقافية لشعوب هذه المنطقة ككل في تصوراتهم الموحدة لمصير مشترك يدافعون عنه سوية، والحق يقال بأن الكرد باتوا مدينين لكل قطرة دم مسيحية أو عربية ذرفت في هذه المعارك، لكونها معارك استهدفت الوجود الكردي أكثر من أي هدف آخر.
بالنسبة للذهنية القومية التركية تشكّل المناطق الكردية في سوريا خطراً مواجهاً لمشاريع التتريك التي يقومون بها في المناطق الكردستانية في تركيا، وعلى ذلك فإنّ هذه المناطق وفقا للمنطق التركي خطر على الأمن القومي التركي، ومدينة سري كانيه شكّلت تاريخيا بالنسبة للدولة التركية حاجزا ممانعاً نظرا لموقعها الملاصق لمدينة أخرى في تركيا هي أيضا اسمها سري كانيه، وعلى ذلك جاء الهجوم التركي على مدينة سري كانيه تحديدا وهو الهجوم الثاني، وهو الهزيمة الثانية بالنسبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان حين هزم عسكريا في نوفمبر 2012 وسقط ثقافيا وأخلاقيا في أكتوبر 2019.

لهدف الانتقام من مدينة سري كانيه أعدّ أردوغان الكثير من التحضيرات، منها ما هو اجتماعي وهو إعادة إحياء الوجود العربي في ولاية أورفا، وهو وجود كان قد طمسته الطورانية التركية خلال العقود الماضية، وحاول استخدامه لمواجهة العمق الكردي الذي بات يشكل بالنسبة له شبحا، ولعب أردوغان ولايزال على الصراع القومي بين العرب والكرد في تلك المنطقة، كما أعدّ أردوغان لذلك بالإضافة إلى التحضيرات العسكرية الهائلة والدعم الدولي من قطبي السياسة العالمية روسيا وأمريكا، وجيشا إعلاميا من وسائل الإعلام المدعومة من قطر، واستخدم خطابا ثقافيا إسلاميا من خلال تسمية جيشه باسم جيش محمد، كجزء من الخطاب العثماني الذي يحاول اردوغان من خلاله قيادة العالم الإسلامي، ولكن كل هذه الأمور فشلت في إقناع الرأي العام العربي والعالمي الذي يعلم تماما بأن أردوغان اضطر لاستخدام أسلحة محرّمة دولياً لمواجهة مدينة صغيرة.

أردوغان إذ توهّم الانتصار ثقافيا على المقاتل الكردي الذي ينظر اليه العالم كقيمة ثابتة إذ يعتبرونه خط الدفاع الأول في مواجهة الإرهاب، كان السبب في تحقيق المقاتل الكردي انتصارا ثقافيا آخر، وهو انتصار الضحية على المجرم ويدرك أردوغان جيدا إنه الخاسر الأكبر حيث توّحد العالم في الإشارة اليه كرمز للإجرام، يسعى للقيام بجرائم إبادة كبرى بحق شعب مظلوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى