الشريط الإخباريتقارير

بعد الخروج الأمريكي المفاجئ من سوريا الكرد الغاضبون في شمال العراق يتطلعون إلى التحالف مع إيران

الكاتب: توم أوكونور، لمجلة نيوز ويك بتاريخ ٢٤ أكتوبر ٢٠١٩
عن الإنكليزية: سوز حج يونس

إنّ الانسحاب الأمريكي المفاجئ من سوريا، لم يُغضِب الكرد في سوريا التي مزّقتها الحرب وحسب، بل أثارت كذلك غضب الكرد في البلد المجاور العراق، والذي اعتمد الكرد فيه كأقليّة عرقية على دعم الولايات المتحدة لهم منذ عقود طويلة، ولكنّهم ربما سيبحثون قريبا عن حليف آخر ليدعمهم.
وفي مواجهة القتال بين تركيا الحليفة في الناتو، والكرد الذين دعموا البنتاغون في الحرب ضدّ تنظيم الدولة، قرّر الرئيس ترامب سحب القوات الأمريكية من المنطقة الشمالية، واعتبر ترامب قراره هذا كجزء من هدفه الذي ينشده من فترة طويلة، وهي تجنّب صراع مفتوح آخر في سوريا، إلا أنّه أعلن لاحقا بأنّه سيُبقي على البعض من هذه القوات، وذلك بالقرب من حقول النفط شرقي البلاد، والتي تقع معظمها في المناطق التي تقطنها غالبية عربية.
وكانت نيوز ويك قد ذكرت ذلك لأول مرة يوم الأربعاء، وكيف أنّ مثل هذه الخطة تنتظر موافقة البيت الأبيض، والتي تتضمّن نشر نصف كتيبة قتالية من أحد الألوية المدرّعة بالجيش، والتي تضمّ أكثر من ٣٠ دبابة من طراز (أبرامز)، وسيُطلب من قوات سوريا الديمقراطية الانضمام إلى هذه المهمة.
وردّا على تقرير نيوز ويك حول هذه التحرّكات العسكرية، قال مسؤول كردي كبير في الاستخبارات “إنّ هذا الأمر كله متعلّق بالنفط، إنّه أغلى من دماء الأبرياء”. حيث أنّ هناك استياءً من المواقف الأخيرة للولايات المتحدة، بالإضافة إلى عدم الوضوح فيما يخصّ التزام ترامب بتعهداته الطويلة الأمد في الشرق الأوسط.
وقال مسؤولون كرد لـ نيوز ويك محذّرين من أنّ الكرد في العراق قد يتطلّعون لتعزيز العلاقات مع شريك جديد وهو إيران، وأنّهم ليسوا وحدهم من يتبنون وجهة النظر هذه. وقال شيروان ميرزا العضو الكردي في البرلمان، وينتمي إلى حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، لـ نيوز ويك “نحن في انتظار أن تغيّر الولايات المتحدة الأمريكية موقفها”
مضيفا إلى أنه ” إذا لم يحدث ذلك، سنضطر للبحث عن صديق آخر لنا في هذه المنطقة”، وسألته ما إذا كان هذا الأمر يشمل الجارة إيران، فرد ميرزا “نعم هذا صحيح” ولكلّ من الولايات المتحدة وإيران تاريخ من العمل إلى جانب الكرد العراقيين، والكرد هم أقلّية عرقية يصل تِعدادهم إلى نحو ٢٠ مليون نسمة، موزّعون على أجزاء من سوريا العراق إيران و تركيا.
وكان وقوف كلّ من الولايات المتحدة وإيران إلى جانب الكرد في العراق، يهدف لتحقيق غايات قصيرة الأمد، مع تجاهل تطلّعات الكرد إلى الحكم الذاتي، حيث دعمت كلّ من واشنطن وطهران القوات الكردية ضدّ الحكومات العراقية، حتى قبل العام ٢٠٠٣، والذي غزت فيه الولايات المتحدة العراق، هذه الحرب التي أثارت الكثير من الجدل، حيث قيل أنّ الولايات المتحدة قد شنّت هذه الحرب من أجل النفط، وكذلك الحرب ضدّ تنظيم داعش، حيث كان التنظيم نفسه يسيطر على كثير من الموارد الطبيعية في كلّ من سوريا والعراق.
ولكن في سوريا، دعم البنتاغون قوات سوريا الديمقراطية دون إذن من الحكومة المركزية السورية، هذه الحكومة التي تُعتبر حليفة لإيران، وحاولت الولايات المتحدة الإطاحة بها، بمساعدة فصيل محليّ معارض، والذي ضمّ مجموعات إسلامية لا تزال تتلقّى الدعم من تركيا، ومع اندلاع الحرب الأهلية في سوريا، جاءت كلّ من الولايات المتحدة وإيران وتركيا لتدعم الفصائل المختلفة والمتنافسة على الأرض.
وقد واجهت كلّ من أنقرة وطهران تمرّدا كرديّا استمرّ لعقود، وكانت تركيا نشطة في حربها ضدّ حزب العمال الكردستاني، والذي اتهمته بصلته بوحدات حماية الشعب الكردية، والتي تعتبر الفصيل الرئيسي في قوات سوريا الديمقراطية.
ولقد شنّت القوات التركية وفصائل المعارضة السورية المتحالفة معها، عمليتين عسكريتين عبر الحدود لمحاربة وحدات حماية الشعب الكردية، وعندما أمر أردوغان بشنّ عملية ثالثة، في وقت سابق من هذا الشهر، عندها قرر الرئيس ترامب بأنّ الوقت قد حان لتغادر القوات الأمريكية سوريا على الفور.
إن هذا الانسحاب الأمريكي كان مفاجئا، وكانت نيوز ويك قد نشرت في وقت سابق، بأنّ القوات الكردية لم تعلم بالأمر إلا عبر التويتر، وهذا ما لم يترك لهم الكثير من الوقت، للعمل بخطط بديلة، والولايات المتحدة التي كانت في وقت سابق قد ذهبت بعيدا في الدفاع عن شركائها، حيث قامت بإسقاط الطائرة السورية، وكذلك قصفت قوة من الميليشيات السورية والروسية، التي اتهمت وقتها بالهجوم على قوات سوريا الديمقراطية.
بينما اليوم قرّر الرئيس ترامب بأنّ هذه الحرب لم تعُد تخصّ الولايات المتحدة، وترك الكرد السوريين ليُبرموا اتفاقا مع الحكومة السورية وحليفتها روسيا، وذلك لوقف الهجوم التركي. وقد شوهد الكرد السوريون وهم يحاولون اعتراض القوات الأمريكية أثناء انسحابها.
بينما رشق الكرد العراقيون تلك القوات الأمريكية المنسحِبة من سوريا، بالفواكه والحجارة، وقال ميرزا لمجلة نيوز ويك أنّ الكرد العراقيين شعروا بالغضب الشديد من خروج الولايات المتحدة من شمال سوريا”، “ويشعرون بالقلق من محاولات تركيا لشنّ هجمات على الأراضي الكردية العراقية”
“نحن نريد أن نعيش بسلام على أرضنا”.
وقد عبّر عدد من المعلّقين الأمريكيين عن استيائهم من الصفقة التي عُقدت بين الكرد السوريين والحكومة السورية إلى جانب حليفتها روسيا، والتي باتت تُعتبر اليوم القوة الأكبر في المنطقة. كما أنّ أيّ تقارب محتمل بين الكرد العراقيين وإيران، سيؤدي إلى إثارة المزيد من القلق بشأن الاستراتيجية الأمريكية الحالية، والتي تسعى إلى إرغام الخصوم على الخضوع السياسي من خلال العقوبات والعزلة الدبلوماسية.
وعلى الرغم من تلاقي مصالح أمريكا وإيران في محاربة تنظيم داعش، إلا أنّ واشنطن وطهران كانتا على خلاف منذ الثورة الإسلامية الإيرانية في العام ١٩٧٩ والتي أطاحت بالحكم الملكي الذي كان مدعوما من الغرب، و أقامت جمهورية إسلامية شيعية.
وفور الإعلان عن قيام الجمهورية الإسلامية، تعرّضت إيران لغزو الرئيس العراقي السابق صدام حسين، والولايات المتحدة قدّمت الدعم للعراق في هذه الحرب ضدّ إيران، قبل أن تتخلّى واشنطن عن صدام حسين بعدها، بينما دعم الكرد العراقيون إيران إلى حدّ كبير، وهذا ما مهّد الطريق فيما بعد لحصول عمليات انتقامية بحقّهم على يد صدام حسين، وكذلك ساهمت هذه الحرب في ترسيخ العِداء المستمرّ بين واشنطن وطهران في العراق.
ولقد كان الاتفاق النووي مع إيران في العام ٢٠١٥ خطوة مهمّة جمعت بين الفرقاء، إلا أنّ إدارة ترامب قرّرت الانسحاب من هذا الاتفاق، وذلك بغرض استنزاف إيران اقتصاديا، حيث وصفها ترامب “بأنّها أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم”.
وإنّ خروج الولايات المتحدة الأحادي الجانب من هذه الاتفاقية، بالإضافة إلى العقوبات التي فرضتها على إيران لاحقا، أدى إلى زيادة الاضطرابات في الشرق الأوسط، وخاصة في العراق والخليج الفارسيّ.
حيث تحرّكت إيران في العراق من خلال الميليشيات الشيعية المختلفة هناك، والتي كانت بدورها على علاقة متوترة مع القوات الكردية في العراق، إلا أنّ هناك اليوم عملية إعادة ترتيب للأوراق في المنطقة.
حيث قال نادر انتصار الأستاذ الفخري في جامعة جنوب ألاباما لمجلة نيوز ويك “تحاول كلّ من حكومة إقليم كردستان وإيران البحث عن كيفية تعزيز العلاقات بين الجانبين”، “وبدأت هذه المحاولات منذ عدة أشهر، حتى قبل خروج الولايات المتحدة من شمال سوريا مؤخرا” “وقد شجّعت حكومة إقليم كردستان، أحزاب المعارضة الكردية الإيرانية الموجودة على أراضي حكومة الإقليم، على التواصل مع الحكومة الإيرانية، حيث عقدت بالفعل جولتين من الاجتماعات بين ممثلي هذه الأحزاب والمسؤولين الإيرانيين في النرويج”.
“تحرص كلّ من حكومة إقليم كردستان وإيران على إيجاد قنوات تواصل إضافية، لتعزيز علاقاتهما التجارية والاقتصادية عبر الحدود”. وعلى الرغم من كون طهران تعمل إلى جانب أنقرة وموسكو كجزء من عملية سلام ثلاثية، تقاطعها واشنطن، إلا أنّ موقف طهران كان الأكثر وضوحا ضدّ العملية التركية في شمال سوريا.
وتمكّن وفد من إدارة ترامب برئاسة نائب الرئيس مايك بنس، ووزير الخارجية مايك بومبيو، من التوصّل لاتفاق لوقف إطلاق النار لمدة خمسة أيام، وطعن كلا طرفي القتال في هذا الاتفاق. إلا أنّ الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين روسيا وتركيا بدا وكأنّه يقدّم حلا دائما إذ ستبقى هناك منطقة آمنة والدوريات المشتركة مع روسيا، وانسحاب وحدات الحماية الكردية من المناطق الحدودية.
ومع دفع تركيا المستمرّ لإعادة توطين اللاجئين العرب على الحدود، وعودة حكومة الأسد إلى مناطق شمال شرق سوريا، التي تخضع للإدارة الذاتية الكردية، اقترح ترامب علنا من خلال تغريدة له بأن يُهاجر الكرد جماعيا للمساعدة في حماية حقول النفط في الشرق.
وفي هذه الأثناء ينظرُ الكرد العراقيون إلى ما يجري بإحباط وقلق، فعلى الرغم من أنّه لا توجد مؤشرات مباشرة على حدوث تحوّل جديد في السياسة الأمريكية، إلا أنّهم يعتقدون أنّ طبيعة ترامب المتقلّبة وغير المتوقّعة، قد تترك مستقبلهم في خطر، ما داموا يعلّقون آمالهم على دعم قوة “تبعد عنهم ٧٠٠٠ ميل” على حدّ قول ترامب.
وتأتي مخاوفهم هذه في الوقت الذي تبحث فيه إيران عن بناء علاقات إقليمية جديدة كـ (التحالف من أجل الأمل) و(مبادرة هرمز للسلام) وهذا يمهّد الطريق أمام قيام علاقات جوار جديدة في منطقة معرضة للتحالفات المقلقة.
وقال انتصار لـ نيوز ويك “نتيجة للقرب الجغرافي والعلاقات التاريخية والثقافية، فإنّ العلاقات بين حكومة إقليم كردستان وإيران ستتحسّن مع مرور الوقت”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق