الشريط الإخباريتقارير

لقد كنت شاهدا على ولادة حلم الديمقراطية السوريّة، وكذا شهدت وحشيّة موتها

الكاتب: عهد الهندي، لمجلة: فورين بوليسي الأمريكية
بتاريخ: ٦ تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠١٩، عن الإنكليزية: سوز حج يونس

عندما قابلت هفرين خلف للمرة الأولى في العام ٢٠١٧، أدهشتني بذكائها، كانت هفرين مهندسة مدنية كردية من مدينة ديريك، والتي أصبحت واحدة من أبرز القيادات النسائية في منطقة روجافا التي تتمتع بإدارتها الذاتية في شمال شرق سوريا.
وخلال لقائنا الأول في عين عيسى، شكرتني لأنّني عرّضت حياتي للخطر في سبيل الوصول إلى روجافا، حيث أنّني كنت مطلوبا من أربعة أجهزة مخابرات سورية، وذلك لنشاطي الداعم للثورة السورية.
انتهى الأمر بي بأن أقمت معها في نفس المجمّع السكني لمدة ٤٥ يوما، كانت تستيقظ في الساعة الخامسة صباحا، ولا تتوقّف عن العمل حتى منتصف الليل، حيث كانت تسافر إلى دير الزور التي كانت قد حرّرت مؤخرا من تنظيم الدولة، تذهب لتُعطي دروسا في الرياضيات للأطفال والمراهقين، وكذلك لكي تجتمع بزعماء العشائر العربية هناك للمساعدة في حلّ خلافاتهم، باعتبارها الأمينة العامة لحزب سوريا المستقبل (FSP).
في الثاني عشر من شهر تشرين الأول/ أكتوبر، قُتلت صديقتي هفرين بوحشيّة على يد مجموعة من القتلة الذين يعملون تحت إمرة ما يسمى بـ “الجيش الوطني السوري”، حيث قاموا بمهاجمة سيارة هفرين، عذّبوها، ضربوها بأشياء صلبة، كسروا ساقيها، وجرّوها من شعرها حتى انفصل عن فروة رأسها، ثم أطلقوا الرصاص على جسدها ووجهها حتى تشوّهت، وبات من الصعب التعرّف عليها حتى من قبل والدتها.
إنّ مقتل هفرين يعكس الشرّ الذي ساد سوريا منذ اندلاع الحرب الأهلية في العام ٢٠١١، ويعدّ موتها مؤشرا على موت الثورة السورية على يد الجهاديين. في بداية الثورة السورية، كانت الجماعات الليبرالية المتنوعة هي التي تمثّل السوريين المعارضين للرئيس بشار الأسد وبشكل واسع.
إلاّ أنّ المعارضة الليبرالية فشلت في النهاية في منافسة الإسلاميين السوريين، وبخاصة الذراع المحليّة لجماعة الإخوان المسلمين، كما ودعمت الحكومة الأمريكية هذه الجماعة، حيث أقام الجهاديون السوريون علاقات وثيقة مع وزارة الخارجية الأمريكية.
حيث بدا أنّ العديد من الأجهزة الحكومية الأمريكية كانت تفضل العمل مع الإسلاميين، على العمل معنا نحن العلمانيين والليبراليين، والنتيجة هي ما نراه اليوم، الهيمنة الكليّة لهذه الجماعات التي لديها طموحات باستعادة الخلافة السنّية الأصولية، مثل جماعات القاعدة، وأحرار الشام.
كما أنّ الشبّان والشابات الذين خرجوا في مسيرات سلمية في دمشق في آذار العام ٢٠١١ مطالبين بالتغيير الديمقراطي، شهِدوا كيف اختطفت ثورتهم على يد هؤلاء الجهاديين المجرمين، كهؤلاء الذين قتلوا هفرين.
ومنذ الغزو التركي في التاسع من شهر تشرين الأول/ أكتوبر، احتلّ هؤلاء الجهاديون بلدتين حدوديتين هما رأس العين وتل أبيض، وهذا ما تسبّب في قتل المئات من السوريين، وإجبار قوات سورية الديمقراطية على تسليم مناطقها للأسد.
وإنّ الولايات المتحدة هي الأخرى تتحمّل اللوم في هذا كلّه، فقد رأيت بأم عيني كيف أنّها دعمت الجهاديين الإسلاميين في سوريا بالمال والسلاح، وكيف تدخّلت الولايات المتحدة لإيقاف التوغّل الروسي ضد أكبر فرع تابع لتنظيم القاعدة في العالم في مدينة إدلب السورية، وكيف عملت الولايات المتحدة بجدّ على تمثيل الإسلاميين السوريين في محادثات جنيف، في حين عملت على استبعاد الكرد بأمر من تركيا.
وكيف أنّ الرئيس ترامب وقف مكتوف اليدين تجاه الغزو التركي لمنطقة عفرين الكردية، ويفعل الأمر ذاته اليوم مع الاجتياح التركي لباقي شمال شرق سوريا، التي تتميّز بتنوعها الثقافي، لم أكن أعتقد بأنّ الأمور ستجري في هذا الاتجاه، عندما خاطرت بحياتي للاحتجاج على حكم الأسد في العام ٢٠٠٦، حيث كنت من بين القلائل من الشبّان الناشطين في معارضة حكم الأسد.
وشاركت في تأسيس منظمة طلابية عملت على تحدّي الأسد، وعملت على توثيق جرائمه بصريا، حيث كنتُ معتادا على الوقوف أمام المحكمة العليا في دمشق، لكي أقوم بتصوير السجناء السياسيين سرا، عندما تقوم الشرطة السورية بنقلهم من سيارات الشرطة إلى المحكمة.
وأصبحت أنا شخصيا سجينا سياسيا، وتعرضت للسجن والتعذيب لأكثر من شهر، ثم نفيت بعدها عن سوريا وإلى الأبد، وعندما التقيت بهفرين، كنتُ حينها مواطنا أمريكيا وقابلت العديد من قادة العالم، وكنتُ مع القادة السوريين المنشقين الستة، الذين قابلتهم وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في آب/ أغسطس من العام ٢٠١١، وحينها دعت الإدارة الأمريكية رسميا إلى تنحّي الأسد، وبدأت بالاعتراف بنا، وكانت هناك مشكلة واحدة في هذا الأمر، وهو أنّ الاعتراف جاء دون أيّ التزام مستقل ووثيق منهم بتغيير النظام السوري.
وفضلت الولايات المتحدة العمل مع الجهات المحليّة الفاعلة، وهذا يعني العمل مع الجهاديين المحلّيين الذين رفضوا القيم الديمقراطية، وعلى الرغم من أنّ وزارة الخارجية حاولت مساعدة هؤلاء المعارضين السوريين على تأسيس نظام حكم شامل، إلا أنّ برنامج التدريب والتجهيز الأمريكي للمعارضة السورية، والذي بلغت تكلفته ٥٠٠ مليون دولار ، ساعد في تعزيز طموحات تنظيم القاعدة وحلفائها في سوريا.
في حين أصبحت تركيا مركز عبور للجهاديين العالميين، الذين كانوا يأتون للدخول إلى سوريا. هُمّش الليبراليون السوريون تماما في السياسة الدولية، وكما كانت تركيا بدورها ترفض مشاركة الكرد السوريين في أية جهود دبلوماسية.
كانت هفرين تعتقد بأنّني أعرّض حياتي للخطر بالمجيء إلى سوريا، فقلت لها “لا، يا هفرين، إنّ الأسد يحقد عليكِ أكثر منّي، فأنت الشخص الذي يمكن أن يُثبت للعالم بأنّ الثورة السورية ليست مستنقعا للجماعات الإسلامية المتطرفة”، كنتُ قلقا بشأن تعرّض نظام الأسد لها، لكنّها دائما ما كانت تطمئنني.
فالمرأة بصوتها العذب يمكن أن تخضع أي قاتل محتمل.
وكانت هفرين قبل نحو شهر قد حصلت على سيارة دفع رباعي مدرّعة من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، حيث كانت هناك مخاوف على سلامتها، بعد التهديدات التركية باجتياح المنطقة.
ومن سخرية القدر بأنّها لم تتعرض للهجوم من قبل قوات الأسد، وإنما قتلت على يد المعارضين السوريين، الذين هم من المُفترض أن يكونوا مناهضين للأسد، إلا أنّه يُظهر للعالم كلّه أنّهم ليسوا سوى مرتزقة، وقطّاع طرق، وساديون.
إنّ مقتل هفرين خلف، يُعتبر نقطة تحوّل في تاريخ سوريا الحديث، ويؤكّد مرّة أخرى المثل الكردي القائل “لا أصدقاء سوى الجبال”، إلا إنّني سأكون دائما صديقا لهفرين، ولرؤيتها حول عالم أفضل، ولكن يبدو أنّ هذه الرؤية لا تنطبق على سوريا في الوقت القريب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى