الشريط الإخباريتقارير

قد لا يتمكن النازحون من سري كانيه وتل أبيض العودة إلى ديارهم قريبا ..العودة إلى حياة طبيعية لا تزال حلما بعيد المنال

الكاتب: جوناثان سباير، لصحيفة: وول ستريت جورنال
بتاريخ: ٢٥ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١٩، عن الإنكليزية: سوز حج يونس


يكسر صوت المدفعية التركية، هدوء الصباح في قرية أم الكيف التي تقع على بعد أقلّ من ٢ميل عن بلدة تل تمر، وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار الذي تمّ التوصّل إليه خلال الشهر الماضي، إلا أنّ الجيش التركي وفصائل المعارضة السورية الموالية لتركيا، تستمر في شنّ هجمات على قوات سوريا الديمقراطية، ومؤخّرا على قوات النظام المتواجدة في المنطقة هناك.
يردُّ الكرد بقذائف الهاون على مصادر النيران، بعد نحو دقيقة أو أقل من بدء القصف، بينما يقوم المدافعون عن قرية أم الكيف بحرق الإطارات والنفط والذي يشكل سحابة من الدخان الأسود، بغرض التشويش على الطائرات بدون طيار التركية، إلا أنّ هذا لا يُجدي نفعا، وغالبا ما تكلّف هذه الطائرات قوات سوريا الديمقراطية ثمنا باهظا.
سرعان ما يمتلئ الطريق بالشاحنات، حيث يبحث المدنيون في القرى الواقعة على خطوط المواجهة عن أمان نسبي في بلدة تل تمر، والبلدات الأخرى التي تقع إلى الجنوب. تمتلئ هذه السيارات والشاحنات بكلّ ما تستطيع هذه الأسر حمله، من فرش وأغطية وطاولات وبطانيات وغير ذلك.
حيث أدّى الهجوم التركي الذي بدأ في التاسع من شهر أكتوبر/تشرين الأول إلى السيطرة على المنطقة الواقعة بين رأس العين وتل أبيض بطول ٧٥ ميل وعمق ٢٠ ميل، وهنا تقع البلدة المسيحية القديمة تل تمر (والتي باتت مهجورة إلى حد كبير) وهي تقف اليوم في وجه التقدّم التركي في المنطقة.
ويقول الجنرال مظلوم عبدي الذي قابلته في قاعدة لقوات سوريا الديمقراطية بالقرب من مدينة الحسكة
“إنّ أردوغان يريد أن يشنّ هجوما أوسع”، “وإنّ كلّ شيء بات يعتمد على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، فإذا ما مارسوا ضغوطا فعندها لن يجرؤ الأتراك على الهجوم مرة أخرى”.
لقد اندلعت النزاعات في هذه المنطقة مرات عديدة منذ العام ٢٠١١، حيث كانت الفوضى ثم الحرب بين نظام الأسد والجماعات العربية السنية المعارضة، ثم جاءت الدولة الإسلامية، وبعدها الحرب التي قادتها الولايات المتحدة بدورها ضد داعش في المنطقة، الأمر الذي مكّن الكرد من تحقيق مكاسب لهم في شمال شرق سوريا، وهو السبب اليوم وراء الهجوم التركي على المنطقة بغية القضاء على هذه المكاسب.
وعندما أعلن الرئيس ترامب عن انسحاب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا في أكتوبر/ تشرين الأول، تبعه الاجتياح التركي للمنطقة، والذي حدث بشكل سريع ومتوقّع، وهنا وجد الكرد السوريون أنفسهم أمام خيارين هما إما مواجهة الهجوم التركي وحدهم، أو دعوة قوات الأسد والقوات الروسية للدخول إلى مناطقهم، وهنا اختار الكرد الخيار الثاني، وبدا الأمر للوهلة الأولى، كما لو أنّه بداية زوال سريع للسلطة الكردية المتمتعة بإدارتها الذاتية والتي تشكلت منذ منتصف العام ٢٠١4.
إلا أن الواقع الحالي على الأرض يكذّب هذا التصوّر، فنظام الأسد نظام متداعٍ، ويفتقر إلى القوة البشرية، في الوقت الذي لا تزال فيه قوات سوريا الديمقراطية قوية، لذا لم يحاول النظام بعد السيطرة على الأرض في مدن مثل ديريك، الحسكة، والقامشلي، حيث لا تزال نقاط التفتيش والسيطرة الأمنية اليومية بيد الكرد والقوات الموالية لها.
وفي المناطق التي تقع على خطوط المواجهة، نجد أنّ قوات الأسد غير مجهّزة بشكل جيد، فنرى جنود قواته وهم يرتدون زيا عسكريا رثا، ولقد شهدتُ في إحدى القرى المحيطة ببلدة تل تمر، كيف تقدّم طابط طبي من قوات النظام بطلب إلى منظمة أمريكية غير حكومية بطلب للحصول على قائمة طويلة من الأدوية الأساسية التي يفتقرون إليها.
وكما ذكر مقاتلون من قوات سوريا الديمقراطية، كيف أنّ جنود النظام يتوسّلون إليهم للحصول على الطعام لأنّ حصصهم الغذائية قليلة جدا. إنّ انتصار جيش النظام السوري ليس مبنيّا على كونه جيش دولة قوية، وإنما هي قوة تعتمد في بقائها على قوة حلفائها، وتعتبر روسيا القوة الحقيقية في شمال شرق سوريا وهي التي تتوسط بين نظام الأسد والكرد، وبين كلّ من النظام وتركيا.
وتُفضّل موسكو أن ترى النظام السوري مسيطرا على كلّ سوريا، إلا أنّ الاعتبارات الروسية تختلف هنا، فهي تريد توسيع الشرخ بين تركيا وحلف الناتو، كما وليس لروسيا عداء خاص تجاه الكرد السوريين، ولا ترى فائدة من صراع دموي آخر بين النظام والكرد، يقول الجنرال مظلوم عبدي “إنّ الروس يقومون بدور الوسيط”، “إنّهم يحاولون دفعنا للاقتراب من النظام، باستخدام تركيا كتهديد لنا”، وهذا يعني أنّ موسكو تحاول وبشكل ممنهج أن تدفع الكرد للقبول بدور أكبر للنظام السوري شرق الفرات، وذلك من خلال تهديدها بأنّها قد تسمح لتركيا بشنّ هجوم آخر على المراكز السكانية الكردية، إذا ما أبدى الكرد معارضتهم.
يقول الجنرال مظلوم عبدي “إذا أصرّ النظام السوري على العودة إلى العام ٢٠١١، فسيكون هناك صراع بيننا”، وما يعنيه هنا هو العودة إلى ما قبل إعلان الإدارة الذاتية، ويقول الجنرال “نأمل أن لا يصرّوا على ذلك”. هذا وكان وزير الخارجية التركي قد أبلغ نظيره الأمريكي في بروكسل الأسبوع الماضي، بأنّ اتفاق وقف إطلاق النار “لم يتم الوفاء به بعد” وهذا يعني أنّ قوات سوريا الديمقراطية لاتزال موجودة في المنطقة.
وكان وزير الخارجية التركي قد قال في مناسبة أخرى “إذا لم نحقّق أية نتيجة، فكما بدأنا بالعملية من قبل، سنفعل ما هو ضروري في شمال سوريا” بينما يقول الجنرال مظلوم “إذا هاجم الأتراك مرة أخرى، سنقاتل، سنعتمد على قواتنا، نعرف أنه سيكون أمرا صعبا علينا ولكننا سنقاتل”.
قد يمر وقت طويل، قبل أن يتمكن النازحون من أم الكيف، تل تمر، ورأس العين والمدن الحدودية الأخرى من العودة إلى ديارهم، فالعودة إلى حياة طبيعية لا تزال حلما بعيد المنال هنا. وبينما تدخل الحرب السورية عامها التاسع، لا تبدو نهايتها وشيكة هنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق