الشريط الإخباريتقارير

القوات الكردية السورية والتوازن الصعب

الكاتبة: جايل تزيماتش ليمون، لمجلة: فورين أفيرز الأمريكية

بتاريخ: ١٩ كانون الثاني/يناير، عن الإنكليزية: سوز حج يونس

في شهر كانون الأول/ ديسمبر من العام ٢٠١٩، أي بعد شهرين فقط من سحبِ الرئيس الأمريكي ترامب لغالبية القوات الأمريكية من سوريا، دخلتُ إلى هذه المنطقة بعد أن عبرتُ الحدود قادمةً من العراق، وكانت هذه هي الزيارة السابعة لي إلى هنا منذ آب العام ٢٠١٧.

هذا وكان الهجوم التركي على الكرد في شمال شرق سوريا قد تصاعد في شهر تشرين الأول/أكتوبر، في هذه المنطقة التي تتمتع بتجربتها في الإدارة الذاتية الديمقراطية.

وخلال زيارتي هذه المرة، توقّعت أن أرى في كلّ مكان ما يُشير إلى الوجود التركي، إلى جانب أنّي توقّعت رؤية حواجز تخصّ النظام السوري والقوات الروسية عند كلّ معبر، كما توقّعت رؤية الناس هنا متخوّفين، بانتظار ما سيؤول إليه مستقبلهم الذي تتحكم به القوى الكبرى.

ولكن ما وجدته هنا كان مشجّعا ومحبِطا في آنٍ معا، وكان من بين المشاهد المأساوية التي لا يمكن نسيانها، هو منظر الأطفال الذين أجبروا على ترك منازلهم نتيجة الغزو التركي، حيث أنّهم اليوم محرومون من مدارسهم، ويُقيمون في مخيّمات باردة تم إنشاؤها على عجل، ولا يرتدي هؤلاء الأطفال أية معاطف، بينما تظهرُ أقدامهم الصغيرة العارية من أحذيتهم البلاستيكية، المغطّاة بالوحل الذي تركه المطر المستمرّ بالهطول هنا.

ولكن في المقابل فإن من الأمور اللافتة هنا، هو استقرار هذه المنطقة، والتي ناضلتْ للوصول إليه رغم كل الجراح العميقة.

لقد قامت قوات سوريا الديمقراطية بعمل بطولي بتوحيد المنطقة الشمالية الشرقية، ونجحت كذلك في تأمين نوعٍ من الأمان لسكان هذه المنطقة الذين تأثروا بالحرب، وفي ظلّ ظروف من شأنها أن تشكّل تحدّيا لمعظم الدول القومية.

كما ونجحت في الحفاظ على إدارتها للحكم والذي كانت قد أنشأتها خلال وقت سابق، وكانت قد وصلت إلى درجة رائعة، ولكن سوريا اليوم بحاجة ماسّة إلى تسوية سياسية أكثر من أي وقت مضى، فلا يُمكن لقوات سوريا الديمقراطية أن تُحافظ على خطوطها الأمامية، بالإضافة إلى إعادة بناء المدن المدمّرة، واستيعاب النازحين، والتصدّي للهجمات التي تنفّذها كلّ من تركيا وتنظيم داعش، دون وجود التزامات قوية وذات مصداقية من القوى الخارجية التي تُمسك بمصير البلاد، بما في ذلك بذل جهد للتوسّط في محادثات بين تركيا والكرد.

هذا وتستفيد كلّ من الولايات المتحدة وروسيا وغيرها من القوى الخارجية الأخرى، من الاستقرار الذي تؤمّنه قسد في شمال شرق سوريا، لذا ينبغي على هذه القوى الخارجية، أن تهتمّ بتأمين مستقبل هذه المنطقة.

توازن هشّ

إنّ نظام الحياة الطبيعية هنا رغم كونه محفوفا بالمخاطر، إلا أنّه يتميّز بكونه نظاما ناجحا وفاعلا، وهذا النظام استطاع أن يستمر في أجزاء من شمال شرق سورية، والتي كانت محظوظة لوقوعها خارج نطاق العملية التركية.

عندما زرتُ هذه المنطقة في كانون الأول/ديسمبر، كانت القوات الأمريكية تُجري مجدّدا عمليات مشتركة مع قوات قسد ضد تنظيم داعش.

وكان وضع السيطرة على المدن من القامشلي إلى الحسكة، كما كان عليه قبل الهجوم التركي، وكانت قوات سوريا الديمقراطية هي المسؤولة عن جميع نقاط التفتيش.

إنّ السلطة التي أنشأتها قوات سوريا الديمقراطية أثبتت بأنّها قادرة على الاستمرار وبشكل كبير، على الرغم من كون هذه القوات قوات غير حكومية، وتتواجد في منطقة تشهد تنافسا لمصالح القوى الكبرى، وتتنقّل فيها من مكان إلى آخر.

في مدينة الرقة يهدأ صخب الحياة وسط الأنقاض، التي لم تتمّ إزالتها بعد، والتي خلّفتها حملة العام ٢٠١٧، التي سعت لإخراج التنظيم من عاصمة الخلافة التي كان التنظيم قد أعلنها.

في ميدان النعيم الذي تم تجديده مؤخرا، والذي كان في السابق مكانا لتنفيذ الإعدامات وقطع الرؤوس على يد تنظيم داعش، يُطلّ اليوم مقهى جديد على هذا الدوار، ويتناول الناس هنا وجبات البطاطا المقلية، ويشرب بعض الرجال القهوة ويدخّنون الأركيلة، بينما تهمهم المدينة مع المولدات الكهربائية المنتشرة.

وكان أغلب الأشخاص الذين تحدّثت إليهم قلقين بشأن الموضوع الأمني، وكذلك ما يخصّ تدنّي قيمة الليرة السورية.

كما شاهدتُ هنا أطفالا منهمكين باللعب في مباراة كرة قدم، فوق حطام إحدى المباني التي تم تفجيرها، وفي إحدى المطاعم التي تم تجديدها مؤخرا، شاهدت حشودا تقف في طوابير تنتظر بفارغ الصبر الحصول على طلبياتها من وجبات الطعام الجاهزة، والتي كانت في أكياس بلاستيكية بيضاء، تفوح برائحة بيتزا الرقة الشهيرة، بعضها مع لحم وأخرى يريدونها دون لحم، ولكن الحواجز ونقاط التفتيش هنا كانت على ما هي عليه، كما في العام الفائت والذي قبله، لقد أثبتت سلطة قوات سوريا الديمقراطية بأنها على قدرٍ عالٍ من الصمود والتحمّل.

ولكن ما أن تُمعِن النظر، حتى تجد أنّ تغييرا عميقا وجذريا قد حصل هنا، فقبل نحو عام، كانت قوات سوريا الديمقراطية تُسيطر على هذه المنطقة، وكانت مدعومة بوجود أمريكي صغير لا يكاد يكون مرئيا.

إلا أنّني وخلال زيارتي الأخيرة إلى المنطقة هنا، وخلال بضعة ساعات بالسيارة بين الحسكة وعين عيسى، شاهدتُ العديد من القوافل العسكرية، والتي يحمل بعضها أعلاما روسية وسورية وأخرى تحمل أعلاما أمريكية.

وما كان عبارة عن قاعدة أمريكية في عين عيسى، بات اليوم عبارة عن قاعدة يرفرف عليها العلم  الروسي، والطريق التي كانت جيدة للمرور بين الحسكة وكوباني، باتت اليوم طريقا غير صالحة للاستعمال، بسبب المخاوف الأمنية التي أعقبت الهجوم التركي.

وهذا ما أجبر السكان هنا على اتخاذ طرق سيئة التعبيد، واستغراق وقت طويل لا يقلّ عن ثلاث ساعات، بينما تصطف الشاحنات هنا في طوابير، بانتظار أن تعبر الطريق الوعرة وغير المجهزة.

لقد قوّض الهجوم التركي استقرار شمال شرق سوريا، وقوّض كذلك الحرب ضد تنظيم داعش، حيث كان على القوات المُشاركة في هذه المعركة الأخيرة أن تتحوّل إلى الدفاع عن نفسها.

كما واضطرت العديد من المنظمات غير الحكومية إلى الفرار، حيث كانت هذه المنظمات تقوم بدور مهم في مساعدة سكان المنطقة، بما في ذلك تقديم المساعدة الطبية لمن هم في حاجة ماسة إليها.

وكذلك اضطر العديد من سكان بلدتي سري كانيه/ رأس العين وتل أبيض إلى النزوح، ووسط كلّ هذه الاضطرابات أصبح لدى تنظيم داعش مساحة أكبر للمناورة في هذه المنطقة.

وهناك سؤال ملحّ مطروح هنا، ألا وهو كيفية التعامل مع أنصار تنظيم داعش وعائلاتهم، وهذه المشكلة تُعتبر مشكلة مستعجلة، وحتى الآن لم تشهد أيّ حلّ يُذكر.

فالعديد من هؤلاء من أتباع التنظيم بمن فيهم المقاتلون الأجانب، مُحتجزون اليوم إلى أجل غير مسمى في مخيّم الهول في مدينة الحسكة، حيث الموارد المُتاحة قليلة، والاحتياجات الأمنية والمادية ملحّة جدا، والدعم الدولي المقدّم غير كافٍ.

هذا وقد أدى الهجوم التركي الأخير إلى نزوح أكثر من ٢٠٠ ألف مدني، وهذا ما جعل الإدارة الذاتية التي أنشأها الكرد في العام ٢٠١٢ والتي تديرها المجالس المدنية التي  يُشارك فيها العرب والكرد، في مواجهة كلّ ذلك والتعامل مع الآثار الناجمة عن الهجوم التركي.

وقد ساهمت قوات سوريا الديمقراطية بتقديم الآليات بغرض تسوية الأرض، بينما قدّمت مؤسّسة البارزاني الخيرية تبرّعات بغرض تحويل قطعة الأرض هذه، إلى مخيّم للنازحين، في مدينة الحسكة.

وهناك التقيتُ بامرأة أخبرتني كيف أنّ زوجها سارع إلى إخراجها مع أطفالها من بلدة سري كانييه، فور دخول الفصائل الموالية لتركيا إلى البلدة، وكيف أنّ ابنتها المراهقة قامت بقيادة الجرّار وأخرجتهم من البلدة، وهذه الشابة تنتظر الآن في طابور بغرض الحصول على خيمة، لتؤمّنا مأوى لأمّها وإخوتها.

كما وأخبرني معلّم من نفس البلدة، كيف أنّ مقاتلي الفصائل الموالية لتركية قد نهبت كل شيء في منزله.

وبالنسبة لهؤلاء النازحين، وخلال الفترة الطويلة القادمة، لن يكون هناك ما هو أكثر أهمية من عودة الحياة الطبيعية إليهم.

الرجل الذي يقف وسط كلّ هذا

إنّ مستقبل شمال شرق سوريا، هو مستقبلٌ غامض، إذ لا شيء مؤكّد هنا، ففي هذه المنطقة التي أنهكتها الحرب، وحيث تتضارب فيها مصالح القوى الكبرى، وهي التي تتصدّى اليوم لكلّ من تركيا وتنظيم داعش.

حيث أنّه لا يمكن تحقيق سلام دائم في هذه المنطقة، إلا عن طريق الوصول لحلّ سياسيّ للصراع السوري، وحول ما إذا كانت هذه التسوية ممكنة، فإنّ هذا يعتمد على دور القوى الخارجية. إذ يمكن لروسيا أن تدفع النظام السوري للتوصّل إلى اتفاق مع الكرد، والذي من شأنه أن يحافظ على الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا.

ولكنني وجدتُ خلال زيارتي أنّ قوات قسد تشعرُ بالقلق من أن تقوم موسكو بالسماح لتركيا بشنّ هجومٍ على مدينة كوباني، والتي نجح فيها الكرد السوريين إلى جانب الولايات المتحدة، بإلحاق أول هزيمة بتنظيم داعش في هذه المدينة، والتي يُجري فيها اليوم كلّ من النظام السوري والقوات الروسية دوريات.

هذا وإنّ الوجود الأمريكي في سوريا، يوفّر لقوات قسد بعض النفوذ الدبلوماسي ومجالا للتحرّك، ولكن إلى متى قد تلتزم الولايات المتحدة بهذا، وما إذا كانت تخطّط للمساهمة بنقلها الدبلوماسي في قضية شركائها الكرد، والتي كانت قد  أشادت يوما ما ببسالتهم في مواجهة تنظيم داعش، ويُعتبر هذا السؤال مفتوحا منذ شهر تشرين الأول/ أكتوبر إن لم يكن لفترة أطول.

و لقد ازدادت حدة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، في الآونة الأخيرة، الأمر الذي زاد من تعقيد التفاصيل، وموضوع التكامل مع سوريا، حيث طلب البرلمان العراقي من الولايات المتحدة سحب قواتها من العراق، ومن المؤكد أنّ هذا يدفعها إلى الانسحاب من سوريا أيضا، وذلك لأنّ الدعم اللوجستي للقوات في سوريا يعتمد على الوجود الأمريكي في العراق.

هذا وإن الانسحاب الأمريكي من شأنه أن يقوّض نفوذ قوات سوريا الديمقراطية، وإذا ما قامت تركيا بمهاجمة كوباني، فسيؤدي ذلك إلى حدوث مزيد من الاضطرابات، وموجات النزوح، وبذلك فإنّ قسد التي ستضطر للتصدّي لتركيا وحماية مواطنيها، سوف لن تعطي أولوية لحربها ضدّ داعش.

والرجل الذي تقع على عاتقه كل هذه الضغوط هو رئيس قوات سوريا الديمقراطية الجنرال مظلوم عبدي وهو رجل عسكري استراتيجي، تحترم الولايات المتحدة هدوءه االشديد وقدرته على الإنجاز، كما فعل في مساعدة القوات الأمريكية على هزيمة داعش، وتحديد موقع زعيمها أبو بكر البغدادي، وهنا ينبغي على عبدي أن يسير على حبل دبلوماسي موازنا بين القوى المتنافسة في المنطقة، بينما يحاول وفي المنحى السياسي لإيجاد حلول يحمي بها المكاسب التي حقّقها الكرد السوريون منذ العام 2011.

عندما قابلتُ الجنرال مظلوم عبدي في ديسمبر/ كانون الأول أخبرني بأنّ قوات قسد لم يكن لديها رفاهية في الاختيار بين روسيا وأمريكا، فقد احتاج إلى دعم من كليهما لحماية المنطقة والعمل باتجاه تسوية سياسية ومن جهة نظرية تعتبر العملية السياسية مفتاح الحلّ لمعظم القضايا الأخرى، من ضمنها التصدّي لتنظيم داعش، وإبقاء النفط وموارده بعيدا عن متناول يد التنظيم.

وأكد مظلوم عبدي أنّه على الرغم من أنّه لا يجب على الولايات المتحدة أن تبقى في سوريا إلى الأبد، إلا أنّه في الوقت نفسه لا ينبغي لها أن تغادر قبل أن تبدأ العملية السياسية، في الوقت الحالي لدينا نوع من التوازن مع الأمريكيين هنا، وبدونهم سيكون الوضع مختلفا وأسوء بكثير.

“الجميع ينتظر أن تنسحب الولايات المتحدة حتى يتمكنوا من متابعة أجندتهم في المنطقة: الأتراك، النظام السوري، الروس والإيرانيون”.

في أواخر الخريف الماضي، كتبتْ مجموعة من أعضاء الكونغرس من كلا الحزبين رسالة إلى وزارة الخارجية تسعى فيها للحصول على تأشيرة مستعجلة للجنرال مظلوم عبدي لزيارة الولايات المتحدة، وهذا ما أثار غضب تركيا من أنّ البعض من داخل وزارة الخارجية الأمريكية سعى إلى معارضة الفكرة، لكن هذه الجهود لا تزال قائمة، حيث قال مظلوم بأنّه يستقبل الدعوة إذا قدمت إليه.

وقال مظلوم “أود المجيء إلى الولايات المتحدة لأتحدّث مباشرة مع صنّاع القرار هناك، ولأتحدّث مع الشعب الأمريكي”.

وقال: “إنّ الدعم الكبير من الكونغرس الأمريكي ووسائل الإعلام، والشعب قد عزّز قضية الكرد خلال الهجوم التركي”. “في الماضي كانوا يقولون بأنّ لا أصدقاء للكرد سوى الجبال، إلا أنّنا اليوم نرى أنّ هذا غير صحيح، إذ أنّنا نستطيع أن نشعر بالدعم الشعبي لنا، وهذا بالفعل منحنا الأمل”.

إلا أنّ أحداث شهر أكتوبر/ تشرين الأول أكدت أنّ الأمل ليس استراتيجية، ولا يمكن تعليق مستقبل الكرد على الالتزامات الأمريكية قال لي الجنرال مظلوم: “إننا نريد حماية ما حقّقناه معا، بما في ذلك كوباني”.

ثم أضاف بابتسامة المعروفة: “لقد تعلمنا هنا أنّ كل شيئ يحتمل الحدوث، ويجب أن تكون مستعدا لكلّ الخيارات”.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى