الشريط الإخباريتقارير

نساء من الرقة يروّون سنوات الظلام والحروب عبر جلسات حوارية

ولاتي نيوز _ الرقة

أطلقت منظمات مدنية محلية في مدينة الرقة الواقعة أقصى شمال سوريا، حملة «نحن أهلها» بهدف إشراك النساء في الحياة السياسية والمدنية ودمجهنّ في المجتمع ومساعدتهنّ على التخلص من الأفكار المتطرفة بمختلف أشكاله، التي فرضها (تنظيم داعش) المتطرف خلال سنوات حكمه التي امتدت بين أعوام 2014 و2017، حيث يعمل القائمون على عدة مستويات أبرزها تمكين المرأة في تلك المناطق وتوعيتها وتأهيلها من خلال الأنشطة التي تنظمها بشكل دوري.

تروي عنود البالغة من العمر 45 عاماً والمنحدرة من حي “الرشيد” بمدينة الرقة لـ”ولاتي نيوز” كيف أنّها بإحدى المرات وأثناء ذهابها إلى السوق سنة 2015 استوقفتها دورية من جهاز الحسبة وكانت شرطة التنظيم النسائية، وحققوا معها لأنها وقفت وألقت السلام على ابن جارتها الذي لم يكن يبلغ من العمر 13 عاماً؛ لتفاجأ بتهمة قيامها بخلوة مع شخص غريب وقالت لهم يومذاك: “هو ابن جارتي وطفل، كيف تمت الخلوة وأنا سلمت عليه بسوق تجارية أمام كل الناس؟! لتصرخ المحققة بصوت عالٍ: “هذا لا يجوز”، لكن الدورية سمحت لها بالعودة إلى منزلها وعدم الخروج منه إلا مع ولي أمرها.

أما ملك ذات الثلاثين عاماً، فتروي لـ”ولاتي نيوز” قصة تشبه ما قالته عنود بإحدى الجلسات الحوارية التي نظمتها “جمعية بيت المواطنة” بالرقة، إذ إنها خرجت في إحدى المرات مع ابنها أحمد الذي لم يتجاوز 15 سنة، بعد أن تعرضت لحروق جراء إشعال مدفأة المنزل بشتاء 2016، لتواجه موقفاً محرجاً في إثبات إنه ابنها، وقالت: «أوقفتني دورية (الحسبة) وبدأوا التحقيق معي؛ مَن هو؟ وماذا يفعل معك؟ قلتُ لهم مراراً وتكراراً إنه ابني، وأقسمت لهم، لكن لم يصدقني أحد»، وطلب منها العودة للمنزل على الرغم من حروق ولدها.
تقول يمام عبد الغني والتي تعمل مدربة في “جمعية بيت المواطنة” لـ”ولاتي نيوز” أن كثيراً من السيدات اللواتي حضرنَ الجلسات الحوارية: “نقلن كيف كانوا يخشون على أنفسهنّ وبناتهنّ عند الخروج من المنزل، يراودهن الخوف بشكل مستمر فهذه الحالة انعكست سلباً على سلوكها وراكمت جبال من الذاكرة المثقلة والصور القاسية”.
وتروي مريم وهي سيدة في بداية عقدها الخامس تسكن في شارع هشام بن عبد الملك بمركز مدينة الرقة، إنه وبعد سيطرة التنظيم على مسقط رأسها، كانت ابنتها البكر التي تبلغ 15 عاماً، وأختها الثانية بعمر 13 سنة تدرسان آنذاك في ثانوية المدينة، وقالت: “ابنتاي كباقي الفتيات كانتا تذهبان باللباس المدرسي، في البداية رفضوا اللباس الأزرق وتدريس الكتاب الحكومي، ثم طلبوا التقيد باللباس الأسود الشرعي، وقتذاك قررتُ ألا تذهبا إلى المدرسة”.
وأحكم عناصر تنظيم (داعش) المتشدّد السيطرة على كامل مدينة الرقة في يناير (كانون الثاني) 2014، تدخلت عناصره في أسلوب النظام التعليمي، قبل طردهم على يد «قوات سوريا الديمقراطية» بدعم من تحالف دولي تقودها الولايات المتحدة الأميركية في شهر أكتوبر 2017.
ونقل أهالي الرقة انها كانت سنوات أتشحت بالسواد إذ فرضوا لباساً شرعياً على المدرّسات والطالبات في مدارس الرقة، ومنعوا دراسة المنهاج التابع للحكومة السورية، ونقلت العديد من النساء اللاتي عايشنَ فترة التنظيم، كثيراً من القصص المحزنة والمؤلمة خلال جلسات بحسب المدربة ميام وأضافت قائلة: “الأنشطة ورسالة الحملة بغية مشاركة النساء بالحياة العامة وعودة للحياة الطبيعية”، وتعزو غياب المرأة عن الفعاليات المدنية والسياسية إلى ظروف الحرب المستمرة منذ 9 سنوات والعادات والتقاليد: “بسبب عزوف المرأة نفسها وعدم ثقتها بنفسها واتخاذ قرارتها، كما لا تلقى تشجيع الرجل، يضاف لذلك قلة الوعي بدورها ومتطلبات المرحلة”.
وقالت منظمات مدنية محلية تعمل بالرقة في بيان نشر على حساباتها لدعم مبادرة «نحن أهلها» بداية العام الحالي: “ندعم مشاركة المرأة السورية وتمثيلها بشكل فعلي في مراكز اتخاذ القرار السوري والمنظمات العالمية والدولية وليس بشكل صوري”، كما طالبت هذه المنظمات توفير حماية للنشطاء والعاملين بالمجال المدني والإنساني من كافة أطراف الصراع، كون عملهم في منطقة معقدة وظروف استثنائية، بعد تتالي جهات عسكرية عدة على حكم المنطقة.
ونقلت الناشطة عليا أحمد الناشطة بالمجال المدني بالرقة، أن: “أهم ما تريده النساء الحفاظ على بلدهم أرضاً وشعباً، بالإضافة للفصل السلطات (التشريعية والقضائية والتنفيذية)”، لكنها طالبت تضمين حقوق النساء بالدستور بما يضمن مشاركة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية فاعلة للنساء، وتزيد: “نريد أولاً محاسبة مجرمي الحرب، وضمان مشاركة عادلة لجميع فئات وأطياف المجتمع دون تمييز وتخصيص كوتا انتخابية لنا”.
ولم تنهِ الحرب الدائرة في سوريا منذ سنوات عجاف، حياة سكان الرقة إذ يعملون ويكافحون ليعيدوا مدينتهم إلى الحياة الطبيعية، وتقول زينة ولديها شقيق مختطف منذ 5 سنوات على يد عناصر تنظيم (داعش) المتطرف ولا يعرف عنهم شيء، “تبقى الرقة لأبنائها ونحن أهلها وأصحابها، فالسواد الذي نشرته التنظيمات المسلحة بدأ يزول والدمار ينتهي تدريجيا، وزينت الشوارع باللوحات الجدارية التي تمثل تراث الرقة شكلاً ومضموناً”.
وتظهر صور الحملة والتقارير المرئية المنشورة على منصات التواصل الاجتماعي وتفاعل معها عدد كبير من السوريين بمختلف المدن والبلدان، الزي التقليدي لسكان الرقة والتقاليد الاجتماعية، إلى جانب إظهار تفاصيل حياة أهل الريف والمناطق الشرقية البسيطة، حيث رسمت صورة جدارية كبيرة لامرأة على إحدى شوارع الرقة تلبس ثوباً فضفاضاً وغطاء رأس محلي وأساور ذهبية تغسل الثياب بيديها، وعلى جدار آخر رجل يعزف على الربابة وهي آلة موسيقية معروفة لدى سكانها، كما يقف رجل وزوجته وابنهما وهم يلبسون زياً تقليدي طالما أشتهر به سكان مناطق الجزيرة السورية في لوحة ثالثة.
يذكر ان الجلسات والأنشطة التي نظمتها منظمات المجتمع المدني في شمال شرق سوريا، بدأت فعاليتها أواسط كانون الأول (ديسمبر) العام الفائت، ومستمرة في محاولة من القائمين إسماع صوت المجتمع في العملية السياسية وصياغة الدستور واشراك النساء بالحوارات، كما تطرق المشاركون الى اجتماعات جنيف ومؤتمرات أستانا وسوتشي وصولاً إلى تعثر اجتماعات اللجنة الدستورية نهاية العام الفائت.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق