الشريط الإخباريتقارير

قاضيات يحاكمن عناصر “تنظيم الدولة” في محاكم شمال شرق سوريا

الكاتبة جوسي إنسور، لصحيفة تلغراف البريطانية، بتاريخ: 6 شباط/ فبراير 2020

عن الإنكليزية: سوز حج يونس

كان من المتوقّع أنّ يواجه المُشتبه به في تنظيم الدولة، محاكمة من قاضٍ، لذا فإنه وعندما أخذت القاضية الشقراء الصغيرة ذات الكعب العالي، والحاسرة الرأس مكانها في مقدّمة قاعة المحكمة في شمال شرق سوريا، وسرعان ما غضّ المشتبه به بصره وتجنّب النظر إليها.

وقالت القاضية أمينة من مكتبها الذي يقع مباشرة إلى جوار قاعة المحكمة أنّ “النظر مباشرة إلى امرأة غريبة يُعتبر حراما وفق الإسلام الذي يعتمده تنظيم الدولة” وقالت القاضية أمينة ذلك وهي تضحك بينما تتذكّر ارتباك المشتبه به.

وقالت القاضية أمينة “ربّما تكون قد مرّت سنوات منذ أن رأى هذا المشتبه به امرأة مثلي” وطلبت القاضية أمينة أنْ يتم عرض اسمها الأول فقط، وذلك حفاظا على أمنها “لقد طلبت إليه ثلاث مرات بأن ينظر إليّ ولكنّه رفض، حيث كان يحدّق إلى الأرض طوال جلسة المحاكمة”.

وأمينة هي واحدة من بين ستة قضاة يجلسون في محكمة خاصّة بالإرهاب بالقرب من مدينة قامشلي في المنطقة الكردية التي تتمتع بإداراتها الذاتية وتعرف هذه المنطقة بـ روجافا.

هذا وبينما أسّس الكرد إدارتهم الذاتية في العام 2013، قاموا بإنشاء نظام قضائي من الصفر، بناء على دستور روجافا العلماني والمتأثر بالاشتراكية، دون أيّ اعتراف من الحكومة السورية أو حتى من المجتمع الدولي.

والنظام القضائي لم يُحاكم إلى الآن سوى السكان المحليين والذين بلغ إجمالي عددهم 600 شخص، إلا أنّه تم الإعلان يوم الخميس بأنّه سوف يتم البدء بالنظر إلى قضايا المشتبه بهم الأجانب أيضا، ومنذ سنوات يتحمّل الكرد مسؤولية هؤلاء الإرهابيين الذين قدِموا من مختلف أنحاء العالم للقتال مع تنظيم الدولة، حيث رفضت حكوماتهم تحمّل مسؤوليتهم واستعادتهم، لذا فقد ظلّ هؤلاء يعانون في السجون والمخيّمات في شمال وشرق سوريا.

بعد أن يأس الكرد من الحصول على الشرعية فيما يخصّ دولتهم الناشئة ألغوا عقوبة الإعدام التي لا تزال قانونية بموجب قانون الدولة السوري، وكما عرضوا عقوبات مخفّفة على أعضاء تنظيم الدولة الذين يسلّمون أنفسهم، هذا وإنّ التُهم الموجّهة إلى هؤلاء المُشتبه بهم هي تهم خطيرة كجرائم ضدّ الإنسانية والإبادة الجماعية والاغتصاب واستعباد الأقلية الإيزيدية والقتل الجماعي والاختطاف.

هذا وإنّ أقسى عقوبة من الممكن أن تُصدرها هذه المحكمة هي السجن المؤبد، وهذا يعني عقوبة بالسجن مدتها عشرون عاما، وهذه العقوبة قد تكون مخصّصة لـ “الجهاديين من الفئة الأولى” وهم الأمراء والقادة والمقاتلون في الخطوط الأمامية، أما “الفئة الثانية” فتشمل أولئك الذين عملوا في الهيئة الشرعية وفي الإدارة العسكرية في تنظيم الدولة، وفي هذه الحالة عادة ما يتمّ إصدار حكم بالسجن لمدة عام واحد إلى عامين، أما “الفئة الثالثة” فتشمل أولئك الذين تعتبرهم المحكمة بأنّهم كانوا مُجبرين على العمل مع تنظيم الدولة مُقابل الحصول على المال؛ أي أولئك الذين لم يُشاركوا التنظيم عن قناعة أيديولوجية في التنظيم، ولم يقوموا بأدوار خطيرة أخرى، حيث تسمح المحكمة بإخلاء سبيل كثير من هؤلاء في كثير من الأحيان، وتقول القاضية أمينة بأنّها تقابل في اليوم ما يُقارب من خمسة مشتبه بهم.

ويبدو أنّ قلة من هؤلاء المُشتبه بهم لديهم تمثيل قانوني في المحكمة، وتبلغ القاضية أمينة من العمر 47 سنة إلا أنّها تبدو أصغر من ذلك بكثير، وتتسائل أمينة ما إن كان السجن هو الحلّ الأمثل لهؤلاء السجناء الخطرين وتقول أمينة: (إنّ هؤلاء الأشخاص يشكلون خطرا على العالم أجمع، ولا أظن أنّ السجن هو الحلّ الأمثل) (إنّ السجن لن يُغيّر من أناس يعتقدون أنّ من الجيد أن تغتصِب وتسبي امرأة إيزيدية وأن تقتلها إن لم تطعكَ).

إنّ مراكز الاعتقال في شمال وشرق سوريا مكتظّة بالسجناء، وقد ذكر الصحفيون الذين مُنحوا فرصة الوصول إلى هذه السجون في تقاريرهم بأنّهم رأوا سجناء ينامون كتفا إلى كتف على الأرض، وأنّه يتواجد في بعض الأحيان 50 محتجزا في الزنزانة الواحدة.

تقول أمينة (إنّهم جميعا كذّابون بارعون أشاهدهم وهم يتحدثون إلى التلفاز ويقولون للعالم بأنّهم كانوا طبّاخين وميكانيكيين) (حيث يُخبرني كلّ واحد يمثُل أمامي في المحكمة بأنّه كان طباخا أو ميكانيكي، إذا يبدو أن لا أحدا منهم كان مقاتلا!).

تقول القاضية ذلك مُبدية استغرابها، بينما ترفع نظّارتها الشمسية إلى أعلى رأسها، ولكنّها تؤكد أنّ هناك العديد من الادلّة ضدّ هؤلاء، وأغلب هذه الأدلة هي من شهود مدنيين أو تم التوصّل إليها عبر المقاطع الترويجية والبروبوغاندا التي كان التنظيم يقوم بنشرها، وقد أرسِلت إلي القاضية على تطبيق واتس آب مقطع فيديو يُظهر أربعة رجال وهم يقومون بإعدام شاب من مسافة قريب وهم يبتسمون للكاميرا بينما يرفرف علم التنظيم الأسود في زاوية الشاشة.

(لقد كان أحد هؤلاء الرجال الأربعة الذين ظهروا في الفيديو من المُشتبه بهم الذين مثلوا أمام المحكمة) (ولقد أنكر هذا الرجل جرائمه أمامي) (ولكن عندما أظهرت له مقطع الفيديو بدقة عالية التزم الصمت)، وتشتكي القاضية بأنّه لا ينبغي أن يقع العبئ كله على عاتق الكرد فيما يخص التعامل مع تنظيم الدولة ومخلّفاتها.

(لقد حاربنا تنظيم الدولة وانتصرنا، لكنّنا فقدنا كلّ شيء، وكل ما فعلناه كان هباء، فبعد كلّ هذا لا يزالا الكرد غير معترف بهم دوليا ولا يتمتعون بأية حماية) (لماذا لا تقوم الدول بمحاكمة رعاياها أو لماذا لا يأتون هم أنفسهم إلى هنا لمحاكمتهم؟!).

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق