الشريط الإخباريتقارير

المعركة وشيكة وأكيدة

ولاتي نيوز _ حكمت محمد

كانت الكتائب والسرايا وعلى ما جرت عليه العادة تعقد اجتماعاتها في الساحات المخصصة لها يومياً، على أن تجتمع كلها سوية، يوم الثلاثاء من كل أسبوع في الساحة العامة، الساحة التي تهدر بشعارات تسبق خطبة قائد اللواء.

في أول ثلاثاء لي هناك رأيته يدنو بتثاقل من مكبّر الصوت. كان ضخم الجثة، عريض الكتفين واسعهما، رأيت الشاعر الجاهلي عمرو بن معديكرب بثياب ضابط يقول بهدأته المعتادة: إنّ العسكري المقداد يسبق الديك يقظة واستيقاظاً، يقصد تحصينات الجبهة وبكل عزم يحفر حفرته على شكل حرف L. هذه الحفرة هي أمه وأبوه وملاذه وملجؤه ساعة تقوم الحرب وسوف تقوم، فالمعركة وشيكة وأكيدة .

قفلت وزميلي راجعين إلى السرية الطبية يسألني عن تعب قد اعتلى وجهي، فأخبرته أني قد وُلدت في مدينة على الحدود، ودرست أيضاً في أخرى على الحدود، وها أنا أؤدي الخدمة العسكرية الإجبارية على الحدود ولكن الأمر مختلف هذه المرة فإسرائيل-وكما يقول سيادته- توشك أن تقرع طبول الحرب !
مرّت بعينه مسحة لؤم ولم يزد إلا أن يقول: إقامة طيبة.
رمقت بعينيّ بلدة “القنيّة”، كنت كالسيف فرداً، أستذكر دموع فتاة في المسافة الممتدة من “مفرق جاسم للصنمين”

كان زميلي بهيَّ الطلعة، وحيداً لوالديه وهو والحال هذه يُعفى من خدمة الجيش إلا أنه ولغايات لا يعلمها إلا يعقوب تطوع طبيباً في الجيش.
ولولا عواصف وسيول بيننا لقلت عنه إنه كان حجراً كريماً أُلقي في دربٍ ملأتهُ الحصى.

هدأت كل العواصف ولم نسمع طبول الحرب.

رفع رأسه الكبيرة ووضع قلمه جانباً إذ رآني أهم بالدخول إلى مكتبه أحمل قائمة بأسماء المرضى الواجب إحالتهم إلى مشفى الصنمين وقال بهدوء: أليس من المبكر الحديث عن عيد نوروز ؟

توجّهت إلى السرية وقد غنمت إجازة بثمانية أيام مع لياليها، ليلة تنطح ليلة وأشهرتها بوجه زميلي وهو ما أصابه في مقتل أو أوشك فأسرع الخطى إلى حيث خمّنت.

بعد ما يقارب الساعة عاد بوجه ممتقع عصي على التفسير وقال: لقد هَزئ بي سيادته، بل ألقى بي في دغل سحيق من أدغال السخرية. سألته عن السبب فرد بأنه طلب ولكونه وحيد أمه أربعاً وعشرين ساعة يزور بها أمه ويهنؤها بعيد الأم
فقال سيادته حرفياً: إن أفضل هدية تقدمها بهذه المناسبة لأمك الغالية هي أن تستيقظ مبكراً وتذهب بجنودك إلى الجبهة فتحفر عميقاً حفرتك الخاصة فالمعركة يا عزيزي وشيكة وأكيدة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق