الشريط الإخباريتقارير

تحديات “حكومة إقليم كردستان” في بناء اقتصادها بعد فيروس كورونا

ولاتي نيوز _ الحرة

في وقت يتخبط فيه العالم في حالة من الشلل الاقتصادي، تكافح دول الشرق الأوسط لمواجهة التداعيات المختلفة للتباطؤ العالمي ـ بما في ذلك التراجع الشديد في أسعار النفط. وكمنطقة تعوّل إلى حدّ كبير على إنتاج النفط للصمود اقتصاديا، يُعتبر “إقليم كردستان العراق” ضعيفا بشكل خاص من حيث قدرته على التعافي من الدمار الاقتصادي الذي لحق به بسبب كوفيد-19.

وفي حين سجل الإقليم عددا منخفضا نسبيا من الإصابات بفيروس كورونا وفرض تدابير التباعد الاجتماعي في وقت مكبر، إلا أنه لا يزال يواجه احتمال تفشي المرض بشكل مفاجئ بما أنه خفف من تدابير الإغلاق وأعاد الحياة إلى طبيعتها. لكن المشاكل السياسية التي يواجهها “إقليم كردستان العراق” حاليا، إلى جانبصعوباته الاقتصادية المتواصلة، ستترك أثرا ملحوظا بشكل متزايد على قدرته على الاستجابة المستمرة للأزمة.

الخيارات المحدودة أمام اقتصاد في حالة كساد

من أجل فهم أثر سعر النفط الحالي على “إقليم كردستان العراق”، لا بدّ من النظر إلى وضع مماثل حصل سابقا عندما هوت أسعار النفط. ففي العام 2014، تراجعت أسعار النفط بواقع النصف بعدما تجاوزت الإمدادات العالمية الطلب بأشواط. وكان الأثر الاقتصادي المدمر والخطير الذي أحدثه الهبوط العالمي في أسعار النفط كبيرا على الإقليم الذي وجد نفسه مرغما على تنفيذ استقطاع جزئي من رواتب موظفي قطاعه العام لمدة أربع سنوات قادمة في منطقة يتلقى ثلاثة من كل أربعة موظفين أجورهم من الدولة.

لكن قبل ظهور أول إصابة بفيروس كورونا في إقليم كردستان مطلع مارس، كان اقتصاد “حكومة إقليم كردستان” تعافى ويسجل نموا. وبعد سنوات من الضبابية حيال صادرات الإقليم النفطية، كانت الحكومة الاتحادية في بغداد وإقليم كردستان قد توصلا إلى اتفاق ينقل بموجبه “إقليم كردستان العراق” حصة بحجم 250 ألف برميل من النفط يوميا إلى شركة تسويق حكومية لقاء حصة في موازنة العراق الوطنية.

يجب أن يدرك القادة في “إقليم كردستان العراق” أنه سيكون لاستراتيجية المكاسب الصغيرة أثر أكبر على حياة الشعب الكردي اليومية

والآن بعدما تراجعت مجددا أسعار النفط بواقع النصف، فإن “إقليم كردستان العراق” في وضع أسوأ حتى من العام 2014؛ حيث أن الظروف الاقتصادية الرديئة حاليا صعّبت عليه للغاية تلبية طلبات الاستجابة لفيروس كورونا وموجبات اتفاقه مع الحكومة العراقية في بغداد على السواء. 

وفي 16 أبريل، جمّد رئيس الوزراء العراقي في حكومة تصريف الأعمال عادل عبد المهدي تحويلات الموازنة إلى “حكومة إقليم كردستان” ردا على عجزها عن التقيد بمتطلبات اتفاقية النفط ـ الموازنة ـ في خطوة نتجت على الأرجح أيضا من الاضطرابات الداخلية في بغداد إلى جانب حقائق التباطؤ الاقتصادي في أنحاء العالم. لكن يمكن النظر إلى هذا الأمر كورقة ضغط سياسية تستخدمها بغداد للي ذراع الإقليم كي يوافق على المساومة السياسية لقاء الحصة في الموازنة.

مكافحة الفساد المستشري لمعالجة حالات انعدام الكفاءة الاقتصادية

يُعتبر التهديد الاقتصادي عالميا وقد استجابت له العديد من الحكومات من خلال اتخاذ تدابير تحفيز لحالات الطوارئ بغية التخفيف من الأثر الاقتصادي لتفشي فيروس كورونا. غير أن “حكومة إقليم كردستان” لا تملك في الوقت نفسه احتياطات بل ترزح تحت وطأة ديون تقدّر قيمتها بالمليارات وعجزا في الموازنة بالملايين، بما في ذلك درجة من انعدام التنظيم ضمن الحكومة منعها من وضع استجابة اقتصادية فعالة.

لكن التحديات التي اعترضت مقاربة “حكومة إقليم كردستان” إزاء الاقتصاد قد توفر ـ إن تمّ تجاوزها ـ مسارا أوضح بكثير خلال الأزمة الاقتصادية الحالية. ولضمان انفراج اقتصادي، على الحكومة أن تقر أولا بالرابط بين انعدام كفاءتها لجهة تطبيق إصلاحات اقتصادية ومستوى الفساد في قطاعها العام الذي يفوق حجمه المعتاد. 

وفي حين أن المعلومات المتوافرة محدودة ومن الصعب تقييم مستوى الفساد في الإقليم، سجل هذا الأخير درجة أعلى بقليل فقط من دولة العراق ككل في مؤشر الفساد الصادر عن “وحدة الاستخبارات الاقتصادية”، حيث جاء في منتصف الثلاثينيات من أصل مئة في حين بالكاد احتل العراق المرتبة العاشرة علما بأن درجة صفر تشير إلى الدولة الأكثر فسادا على الأرجح.

في ظل النظام الاتحادي السائد في العراق، فإن قدرة “حكومة إقليم كردستان” على إقرار الإصلاحات هي ببساطة مسألة تخصّ الإقليم

وكانت الحكومات المتعاقبة اقترحت مشاريع سياسية مختلفة تهدف إلى إضفاء الطابع المهني وتيسير العمل في القطاع العام. وفي حين أن إصلاحات مكافحة الفساد، على غرار مدونة السلوك للعام 2011 وعملية التسجيل البيومتري للعام 2017 لموظفي القطاع العام، حققت خطوة في الاتجاه الصحيح ـ لم تنجح هذه الجهود قط في معالجة التحديات الهيكلية الأعمق بالكامل. ويرى كثيرون أن العجز عن القيام بذلك هو ارتباط مباشر بمقاربة القادة السابقين المتكاسلة إزاء الإصلاح.

غير أنه وعلى الرغم من الأزمة السياسية والاقتصادية الواسعة النطاق، تنظر الأحزاب السياسية ـ بما فيها مجموعات المعارضة ـ إلى الحكومة الحالية بتفاؤل، مظهرةً إيمانها بقدرة رئيس الوزراء مسرور بارزاني المحتملة على تولي المهمة الصعبة المتمثلة بإحداث تغيير دائم. 

وكان بارزاني قد تبوأ السلطة بعد حملة جريئة لمكافحة الفساد. وكخطوة أولى، سعت حكومته إلى إقرار قانون إصلاح مثير للجدل منتصف يناير 2020، رمى إلى اجتثاث الفساد في جدول رواتب موظفي الدولة وتوحيد أنظمة التقاعد وتقليص معاشات تقاعد المسؤولين ذوي الرتب العالية. ويُعتبر الحفاظ على هذا الزخم حتى في وجه الأزمة مهما بالنسبة لـ”إقليم كردستان العراق”.

إمكانيات الإصلاح

بالتزامن مع الفساد، يتعين على الحكومة اللجوء إلى أكثر الأفراد كفاءةً من أجل قيادة الإقليم خلال هذه الأزمة. وبغية تجنب ارتكاب الأخطاء السابقة، على الحكومة اعتماد التوظيف القائم على الجدارة وفرض في الوقت نفسه عقوبة صارمة بحق المخالفين. 

ويجب أن يدرك القادة في “إقليم كردستان العراق” أنه سيكون لاستراتيجية المكاسب الصغيرة أثر أكبر على حياة الشعب الكردي اليومية. وعليه، لا يجب أن يكون التركيز الأكبر في التشريعات الاقتصادية والخاصة بمكافحة الفساد على الإصلاحات الشاملة للمجالات الأساسية بل أيضا على إصلاحات أصغر حجما مدرة للإيرادات ترمي إلى تطوير القطاع الخاص. 

فضلا عن ذلك، يُعتبر إدخال إصلاحات على القانون من دون المتابعة المناسبة بمثابة حلّ ترقيعي لمشكلة خطيرة. وفي غياب أي إصلاحات جادة ومستدامة، ستجد “حكومة إقليم كردستان” نفسها في مواجهة المشاكل نفسها في المستقبل وغير قادرة على إخراج نفسها بنجاح من مستقبل اقتصادي غير مستقر ـ بحيث ستحارب بشكل دائم حلقة واسعة الانتشار من الفساد تقوّض مؤسساتها.

الآن بعدما تراجعت مجددا أسعار النفط بواقع النصف، فإن “إقليم كردستان العراق” في وضع أسوأ حتى من العام 2014

وفي ظل النظام الاتحادي السائد في العراق، فإن قدرة “حكومة إقليم كردستان” على إقرار الإصلاحات هي ببساطة مسألة تخصّ الإقليم. كما أن قدرتها على تنفيذ سياسة خارجية فعالة ـ وبخاصة في ما يتعلق بمعالجة علاقتها المضطربة مع بغداد ـ أساسية كما أظهرت المفاوضات الأخيرة حول النفط. 

ويبدو أن “حكومة إقليم كردستان” أدركت أخيرا أن منطقة بحجم صغير لا يمكنها تحمّل تبعات صنع أعداء. يُذكر أن الإقليم نجح ببراعة في الحفاظ على علاقات محددة، وهي مسألة وصفها رئيس الوزراء بارزاني بأنها “بداية جديدة” جزئية في مقال صدر عن “واشنطن بوست” العام الفائت. 

ووصف هذا الأخير المسألة كالتالي: “ستكون السنوات الأربع المقبلة مرحلة حاسمة بالنسبة لنا وللدول المجاورة ولحلفائنا، سنتغاضى نحن “حكومة إقليم كردستان خلالها عن الصدمات السابقة ونعزّز موقعنا في المنطقة ونضمن حضورنا على الساحة الدولية. باختصار، نحن نرغب ببداية جديدة… لقد حان الوقت لشراكة بناءة ومستقرة على نحو أكبر مع بغداد”. وسيكون الحفاظ على هذه العلاقة، حتى في ظل مواجهة الحكومتين تحديا كبيرا، أساسيا.

التوصيات

زعمت “حكومة إقليم كردستان” في العام 2007 أنها ستحوّل الإقليم إلى “دبي ثانية”. وفي حين من المستبعد أن يكون هذا الهدف الطموح واقعيا بعد الآن، قد يكون اقتصاد الإقليم قادرا على العودة إلى المستويات المسجلة ما قبل فيروس كورونا ـ على افتراض أن يكون مزودا بالدعم والمساندة الدوليين.

وفي حين تمثل دور الولايات المتحدة تاريخيا بمساعدة إربيل عسكريا، أصبح الأهم اليوم إنقاذ الإقليم من الانهيار الاقتصادي. من جهتها، الحكومة الاتحادية في العراق في وضع خطير بشكل خاص في ظل معاناتها لتشكيل حكومة جديدة بعد استقالة عادل عبد المهدي إلى جانب اعتمادها الخاص على الإيرادات النفطية.  تنازعت جميع الأحزاب حتى اللحظة الأخيرة، ولكن في ليلة السادس من مايو، حصل المرشح مصطفى الكاظمي على تصويت بالثقة في حكومته، وبذلك أصبح رئيس الوزراء العراقي الجديد. يمثل الكاظمي خيارا مؤاتيا للولايات المتحدة، حيث يُنظر إليه على أنه منفتح نسبيا على الولايات المتحدة مقارنة بالمرشحين المحتملين الآخرين.

في حال فشل “إقليم كردستان العراق”، فسيؤثر ذلك سلبا على باقي أجزاء العراق

وعلى الحكومة الأميركية الضغط على بغداد من أجل إرسال حصة إربيل الشهرية من الموازنة الوطنية العراقية وضمان عدم خضوع الأكراد لعقوبات جراء انحدار أسعار النفط عالميا. ومن شأن هذه المساندة أن تساعد على تعزيز الآفاق الاقتصادية والسياسية لـ”إقليم كردستان العراق” في مرحلة ما بعد كورونا. وسيكون تدخل الولايات المتحدة لمساعدة الإقليم من عدمه أساسيا لتحديد ما إذا كانت أحدث الإصلاحات التي اعتمدتها الحكومة ستدوم وما إذا كان الاقتصاد سيتمكن من التعافي.

وعلى الرغم من وجود العديد من التحديات العالمية في الوقت الحاضر، يجب على الولايات المتحدة أن تعترف بأهمية إقليم كردستان ـ العراق في استراتيجيتها الخاصة بالعراق وتتصرف وفقا لذلك. 

وفي حال فشل “إقليم كردستان العراق”، فسيؤثر ذلك سلبا على باقي أجزاء الدولة ومن شأن مثل عدم الاستقرار السياسي هذا أن يؤجج صراعا بين الأكراد يكون له تداعيات أشمل على الأمن الإقليمي والدولي. 

استندت الولايات المتحدة في استراتيجيتها للانسحاب على افتراض أن مناطق مثل إقليم كردستان العراق ستكون قادرة على الصمود في ضد التهديدات المتطرفة المستقبلية. وعلى هذا النحو، ترتبط الجدوى الاقتصادية للمنطقة ارتباطا وثيقا بتلك القضايا الأمنية.

الكاتب: بينر عزيز

المصدر: الحرة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق