الشريط الإخباريتقارير

البيت الكردي.. كحلقة مفقودة في “الفهم الوطني السوري”

ولاتي نيوز _ سعيد قاسم

لعلّ أهم التحدّيات التي يواجهها الكرد في سوريا سابقا ولاحقا هو الفكر الإقصائي، والتعامل معه على إنه عنصر دخيل، وأن لا مشكلة في استباحة أملاكه وحقوقه، وبدا دائما دفعا له باتجاه التخندق في ساحة الصراع القومي مع العرب، وهي معركة دائما ما كانت تأتي في غير صالحه

هذه الأرضية الثقافية التي تأسست كتراكم لسنوات من الممارسة اليومية للسلطات الحاكمة ولأفكار قومية ودينية ومجتمعية مشوّهة قامت السلطات الأمنية بترسيخها، لتسيير المجتمعات وفقاً لأهدافها الخاصة، وأثبتت الصراعات السورية المحلية بعد 2011 أن محو الثقافة الكردية هدف ثقافي متأصل قبل أن يكون هدفاً سياسيا، وهذا التأصّل جاء كمحاكاة لواقع أسس له النظام السوري خلال عقود مضت.

مافعله النظام السوري في جملة من السياسات والممارسات الشوفينية هدفها اقتلاع الكردي من أرضه، من خلال حظر الثقافة الكردية وتجريد المواطنين الكرد من الحقوق المدنية أو سلبه لأراضيه من خلال مشروع الحزام العربي ومنحها لفئات مجتمعية أخرى، وكذلك تحريمه من استملاك العقار الزراعي، هذه الأمور جعلت الوعي العام لدى فئات مجتمعية واسعة من العرب السوريين ينظرون إلى الكرد والقضية الكردية كخطر يجب اقصائها لما تشكله وفق منظورهم من خطر على الهوية العربية، أو عروبية الدولة السورية بدليل أن الاطروحات السياسية لمعظم الفئات السياسية المعارضة في سوريا لم تتطرق إلى هوية الدولة السورية كما من المفترض أن تكون عليه كوطن يجمع قوميات واثنيات مختلفة.

العامل الثقافي والفكري في انتماء السوريين لبلدهم وتصورهم الذهني لمعنى الهوية السورية وعمقها التاريخي من الطبيعي أن يتأثر بشكل كبير بفكر البعث السوري، بالنظر أن نظام الأسد “الأب والابن” هو النظام الوحيد الذي حاكم لمدة تسمح له بتأسيس حالة ثقافية وفكرية، سيما وأن مدة حكم الأسد ترافقت بالبناء الأساسي للدولة من عدة نواحي.
هذه الأرضية الثقافية والفكرية التي تأسّس عليها السوريون ظلّت لغاية الآن هي الأكثر عمقا في جذر الانتماء السوري رغم اندلاع ثورة مضادة ضد النظام الحاكم في ربيع 2011، ولعل فشل “الثورة” على المستوى السياسي لغاية الآن هو فشلها على المستويين الفكري والثقافي في طرح هوية حقيقية جامعة، ما أدى بـ”الثورة” فيما بعد إلى الانحدار إلى سياقات طائفية، وانتصار النظام السوري ثقافيا على المعارضة السورية المسلحة قبل الانتصار العسكري.

لاشك أن عدم تبلور مواقف وطنية سورية ضد الممارسات الاستثنائية بحق الكرد، سواء في انتفاضة اذار 2004 ودفع النظام لعناصر عربية باستباحة أموال الكرد أو عدم وجود موقف تجاه سياسات التغيير الديمغرافي التي تمارسها تركيا في المناطق التي تحتلها وقبل ذلك ما فعله النظام السوري من مشروع الحزام العربي وغيره، كل ذلك يدعو للتساؤل حول القيمة المتهدمة للوطنية السورية وعدم قدرتها على الوفاء لجميع مكونات الشعب السوري ما يتطلب إعادة بناءها وفق مفاهيم سليمة.

ويعتبر التسجيل الصوتي الذي نشره الصحفي محي الدين عيسو للمكالمة التي أجراها مع عيسى البني “رئيس المجلس المحلي لمدينة رأس العين” فرصة لتبيان بعض الأمور حول حجّة الجهة المعتدية على أملاك المدنيين وحقوقهم، والثقافة التي ينطلقون منها لتأسيس الواقع الذي يبحثون عنه.
إحدى النقاط الهامة التي يقولها البني أثناء المكالمة أن استيلائه على البيت هو حالة انتقامية حيث يقول بأن هناك من استولى على حين طرد فصائل “الجيش الحر” من سري كانيه سنة 2012، وهي إشارة واضحة إلى التعامل العدائي مع كل ما هو كردي واستباحته، بداعي أنها في سياق الحرب ضد وحدات حماية الشعب.
النقطة الثانية هي استباحة أملاك الكردي من منطلق ديني وهو فرض ثقافي بداعي أن تعليم القرآن في البيت هو واجب ديني على أصحاب البيت أن يفتخروا بذلك وعليهم أن يشكروا من يفعل ذلك، لمساهمتهم فيما يعتقدون أنه واجب دعوي إسلامي، متناسين تماما الأصل الشرعي المحرم في دخول البيوت دون استئذان.

إقصاء الكرد في مناطق الاحتلال التركي “عفرين، تل أبيض، سري كانيه” بغض النظر عن أنه يرتبط الان بأهداف استخباراتية تركية بمحو الوجود الكردي، إلا أنه واقع متأصل في المجتمع السوري، وهذا الواقع يحتاج إلى ثورة فكرية وسياسية لاعادة تنظيم واقع اجتماعي لا يتم فيه إقصاء أي مكون، وهذه ثورة فكرية من مصلحة الكرد أن يرفعوا لواءها ضد من يبحث عن الصراع القومي، أو تغليب قوم على آخر، حيث أن أي صراع على أسس قومية تخدم الأنظمة القمعية بالدرجة الاولى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى