الشريط الإخباريتقارير

قبرٌ متنقّل لذكراة حيّة.. أنقرة التي تقتلُنا بكل الطرق، ونحنُ الذين لا نموت

ولاتي نيوز- سعيد قاسم

في ربيع عام 2017 توجّهتُ إلى المنطقة الحدودية التي تفصل بين إقليم كردستان وشمال كردستان، وصلنا إلى منطقة “ميركه صور”، كنت أسمع عنها في الاخبار دائما، ولكن لم نستطع دخولها حيث لا يسمح للاجئين السوريين بالوصول إلى تلك المناطق فاضطرنا للانتظار ليلا ومن ثم الالتفاف على الطريق من خلال تسلّق جبل والدخول إلى منطقة “ميركه صور”.

كنت قد قرأت عن “ميركه صور” إنها تقع في منطقة بارزان وهي إحدى مراكز قوة الثورة التحررية الكردستانية، قبل أن تصبح في وقت لاحق أحد المراكز البشرية التي تدعم مقاتلي حزب العمال الكردستاني.

مكثنا تلك الليلة هناك ثم انتظرنا فيها نهارا قبل الانطلاق في سيارة جيب دفع رباعي، أخذتنا ليلا وسلكت بنا الجبال نحو أربع ساعات قبل أن نصل إلى نهر كان الحد الفاصل بين إقليم وشمال كردستان، كانت الحدود فسحات من الجمال غير قابل للوصف أو التوقع، نهر وسلسلة جبال وغابات، افكارٌ كثيرة كانت تتفتّق في رأسي مع انبلاج ضوء الفجر، ماذا لو كانت الفسحة السماوية تلك مكانا آمنا، كانت ستكون مقصداً للسياح من أنحاد العالم كلها.
ولكنّ المكان الفسيح ذلك لم أرَ على امتداده سوى بيوت متفرقة متواضعة جداً وخيمٍ لرعاة الغنم والماعز الذين كانوا لايزالون يحافظون على تقاليد التنقل التي تطوّع الجغرافية للرعي وتبتلع الحدود الطبيعية والصناعية يضاف لهم قوافل لتهريب البضائع التجارية على ظهور البغال، هو كان عمل ذي ربح، ومصدر دخل غير مستقر في مكان غير آمن اعتاد عليه أبناء المناطق على طرفي الحدود حيث تأبى الحضارة المادية الوصول إليهم.

وقفنا أمام النهر؛ أنا وقريب، وشاب آخر من محافظة الرمادي العراقية، بالكاد كان يمشي تحت ثقل وزنه، استقبَلَنا شاب من “الكوجر” من الذين كانوا يعيشون على الحدود ويتنقلون بين طرفيه لقضاء حاجات أو لرعي ماشيتهم.

جلب الشاب ذاك، الدليل الحدودي “ريبر” بغلا لنتخذ من ظهره سفينة عبور إلى الضفة الأخرى، في صباح لم يكن يخلو من وقت لآخر من أصوات طيران أو قصف أماكن معينة كانت بعيدة عنا أو هكذا يُخَيّل لنا، طلب الـ”ريبري” منا التمسك جيدا بالبغل وعدم الانجرار إلى اي حركة عشوائية قد تتسبّب في غرقنا، حيث كان التيار في أشده، وبالفعل تمكنّا من الوصول في حركة منحنية إلى الضفة الأخرى حيث كان البغل يسلك طريقا طويلا وصل إلى أكثر من 40 مترا في حين أن النهر لم يكن عرضه أكثر من ستة أمتار.

مكثنا قليلاً هناك ريثما أعاد الـ”ريبري” البغل للضفة الأخرى ليعود إلينا سباحة، خرجَ من أمامنا مثل ضفدع، ثم تعرّى من ثيابه كلها لتجفيفها، كانت خصيتاه تتدلّيان دون أن يشعر بأي حرج، فكرت حينها أن لا حدّ يثنيك عن فعل شيء حيث تقف أنت نفسك على الحدود أو ربما تتّخذها سبيلا للعيش.
كان أمامنا جبل شاهق قال الشاب ذلك سنقطعه خلال نصف ساعة ستنتظركم بعدها سيارة لتأخذكم إلى مركز لاستقبال اللاجئين وتسجيل أسمائكم، مشينا لثلاث ساعات تخللتها فترات استراحة كثيرة حيث أن الشاب العراقي الذي لم أعد أذكر اسمه لم يكن يقوَ على المشي، استفدنا من الاستراحات تلك للحصول على بعض الطاقة من نبات كان به من الحموضه في جذره، حتى ارتخينا للحظة ما وانهار كل طاقة بداخلنا أمام أعيرة نارية مكثفة حولنا، وأصوات من الجندرمة التركية تطلب التوقف ورفع الأيدي، ثم ألحّت في الاستفسار عن الـ”ريبري” الذي تمكّن خلال لحظات من القفز في النهر والهروب بعيداً.
وجّه واحد من الجندرمة الأتراك سلاحه نحونا وطلب هوياتنا، فأعطيناه وعرف أننا كرد سوريين، ليسأل بعدها عن سبب تركنا لبلادنا، قلنا له لقد هربنا من الأسد وداعش، بدا ان الاجابة لم تعجبه، فقلنا له لقد هربنا من “وحدات حماية الشعب”، وتذكرتُ للحظة الشهداء الذين شيّعناهم، والمنتفعين من دمائهم والذين هربنا منهم فعلا، ثم أخذتنا الجندرمة إلى مركز عسكري في قرية تدعى “ريباروك” التابعة لمنطقة شمزينان.
بقينا هناك لساعتين أو أقل ثم أمر العنصر المسؤول هناك بالارسال في طلب أحد الشبان الذين يعملون في تهريب البضائع على البغال، طلب منه مرافقتنا وإعادتنا إلى إقليم كردستان، واحتفظوا بالشاب العراقي لديهم.
في الطريق فاوَضَنا الشاب على إعادة تهريبنا مقابل 200 دولار فوافقنا على مضض ليخبئنا بين حرجٍ كان اشبه بجزيرة وسط مسارات منفصلة لنهر في محيط القرية، وتمكنّا بعيد المغرب من الدخول إلى القرية تحت وابل جديد من الأعيرة النارية التي كانت تصيب أشجاراً كانت قريبة جدا منّا، دفع مستوى الخطورة تلك و”أكشن” نجاح محاولة التهريب إلى إلحاح المهرب الجديد لطلب مئة دولار إضافية، مستويات الخطورة أيضا كانت تقاس بالدولار.
مررنا بعدها بمجموعة من المدن والبلدات الكردية في ولاية “وان”، كان الجنود الأتراك يحتلّون المفارق ومداخل المدن وتنتشر الدبابات على مراكزها وكأنّ البلاد تعيش حالة انقلاب عسكري، حواجز ونقاط عسكرية هنا وهناك كان يشرحها السائق حتى وصلنا الى أحدها كانت خاصة بأولاد الزنى، حيث كانت – بحسب السائق- فرقة عسكرية شكلتها الاستخبارات التركية من اللقطاء ودربتهم على القيام بالأفعال الإجرامية.
فكرة القتل كانت ترهق الدولة التركية إذ إن كل ذلك الكم الهائل من القتل والوحشية لم يؤدي إلى الموت، كانت المدن الكردية رغم كل أدوات القتل تلك تنبض بالحياة، الموت والحياة يسيران بطريقة ما في طريق واحد ويلتقيان على مفارق، هنا أو هناك يتخاصمان كمنافسين ويحتضنان كحبيبين، هنا على امتداد جغرافية واسعة وأجيال يودعون بلداً في شهيد ويخلدونه في أغنية.
هذه الثقافة وهذا الوعي تدركه الدولة التركية جيدا حين تسعى لنزع فكرة الشهادة من الوعي الجمعي الكردي حيث تدفعه لقتل أخيه الكردي إذ تدرك إن مثل هذا الموت هو الأكثر بشاعة والأكثر مدعاة للخجل وهو الأداة الأكثر فاعلية لقتل الذاكرة النضالية لشعب ما.

أبعد من ذلك،نسمع في الأخبار اليوم أن السلطات التركية قامت بنقل رفاة مقاتل من “الكريلا” استشهد سنة 1995 للمرة الثانية من مقبرة مدينة نصيبين إلى مقبرة أخرى بناءً على شكوى مقدمة من أحدهم يقول أن قبره تحوّل إلى مزار يتقصّده العامة من الناس للتبرّك.
ثمة سؤال سطحيٌّ هنا ماذا تريد أنقرة من الموتى والحقيقة أنّها تريد أن تجرّد الأحياء من مقدساتهم، من ذاكرتهم، وصبغم بهوية نفعية سواء من خلال السماح بالانتفاع من رواتب حراس الطرق أو التهريب أو ما شابه ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى