الشريط الإخباريتقارير

ما يَرمينا إلى الخطر هو ما لم نفهمه من السياسة

ولاتي نيوز- سعيد قاسم

ثمّة معادلة لا تتغير مع اختلاف الحقب السياسية وتغير المعطيات والحكومات وتبدّل العلاقات السياسية الدولية وهي أن قراءة أو تحليل أو معاينة المشهد السياسي الكردي تتطلب الاستناد على مسألة وجودية تقوم على أن التحدي الأبرز الذي يواجهه الشعب الكردي أو القوى السياسية الكردية هو الحفاظ على هويته من الاندثار.

وهذا التحدي محكوم بمواجهات ذات طابع مختلف، ومواجهات ذات طابع قابل للتغير والتبدّل وتغيير الأدوات والملامح دون أن تقتصر على حالة الحرب ولا على حالة السلم، وتتجاوز في كثير من الأحيان الإيمان بالقضايا المصيرية.

استقبل الكرد السوريون الربيع العربي، وهم منهكون على مستويات عدة؛ ثقافية، اقتصادية، سياسية وادارية… لا وطناً سورياً يقبل بانتمائهم ولا بخصوصيتهم الثقافية ولا عمل يعيلهم من جوع ولا جامعات ومؤسسات ثقافية أو تعليمية تعبر عنهم كشعب له هوية معينة.

مع اختلاف الأحوال وتغير الأمور وتأسيس واقع جديد، مرّ الكرد السوريون بمستويات مختلفة حققت لهم نجاحات في مسالك عدة ولكن بقيت القضية المصيرية المتمثلة بالحفاظ على الهوية التحدي الذي فشل فيه الكرد؛ إذ لم يمنع الكرد تحسن أحوالهم الاقتصادية من نزوعهم إلى الهجرة كما لم يمنع هامش الحرية في ممارسة هويتهم الثقافية من ذلك كما لم يمنع ذلك الجوانب الوجودية الأخرى في كينونة الإنسان هنا مثل ممارسة حق الدفاع عن الذات وحق تأسيس سلطة أو إدارة سياسية أو حق معارضتها.

مستويات الهجرة في روج آفا بدأت من الجمهور الاكثر معارضة أو الابعد قبولا لفكر حركة المجتمع الديمقراطية المؤسسة للادارة الذاتية، وامتدت مع مرور السنوات لتصل إلى عائلات قدمت أبناءً قرابين لتبقى هذه البلاد بخير وأمان حفزّهم على ذلك الإيمان بفكر السلطة القائمة، ثم امتداد فكرة الهجرة كمشروع حياة إلى مستوى ملاحظة ورودها ذهن اي شخص حتى وإن عَدِم أدواتها؛ او حتى على سبيل التحسر على إمكانية الهجرة في وقت سابق.

الملاحظ أن النزوع الى الهجرة لدى الكرد أكثر بكثير من المجتمعات المجاورة لهم؛ أو شركائهم في هذه البلاد، إذن المعادلة الوجودية المثيرة للبحث هنا، هي سؤال الهوية؛ لماذا الكرد مجبرون على تحدي عوامل الوجود ما هو شرط الهوية السياسية غير المكتمل لديهم، سيما اذا علمنا أن هذه المعادلة لا تنطبق فقط على الكرد السوريين بل على عموم الكرد بدليل نزوع الكرد في إقليم كردستان إلى الهجرة رغم انهم يعيشون واقعا أقرب إلى الاستقلال.
الإجابات قد تحيل الي انتقاد الأنظمة والسلطات والقوى السياسية! ما أسهل ذلك ولكن ما أصعب إصلاح الخلل والخروج بحلول مستدامة أو حتى مؤقتة للراهنين السياسي والاداري.

وربّما يكون الخلل في فهم الهدف السياسي الذي من المفترض أن يتم البناء عليه، بمعنى أن القوى السياسة تمارس السياسة كسلطة أو كنظام وعلى هذا فإن السياسة لا تقوم بوظيفتها الأساسية وهي بناء الدولة والمجتمع وعندما نقول السياسة وهنا لا نشترط أداء هذه الوظيفة على المتحكمين بالسلطة بل إن الوظيفة هذه مطلوبة من الجميع سواء كانوا جزء من هرم السلطة أو من المعارضة.

الحوكمة لدى الإدارة الذاتية وعموم القوى السياسية تتطلب عبور مستوى النظام الى ممارسة السياسة كوظيفة بناء للدولة والمجتمع وهو شرط تشكيل هوية سياسة ليس للكرد فحسب وإنما جامعة لجميع المكونات، ولن يؤدي عدم تحقق ذلك سوى إلى المزيد من التخلي عن الوجود السياسي وقد يمتد ذلك إلى النظام نفسه، ليتخلى عنه كل من يجد نفسه في موقع التخلي أو لدى إيجاد “فرصة أفضل”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى